الشهيد القائد.. مشروعُ أمة وصرخةٌ تهزّ عروش الطغيان
صنعاء سيتي | تقرير خاص
لم يكن الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي ـ رضوان الله عليه ـ مجرّد عالمٍ أو مصلحٍ ديني في زمنٍ مضطرب، بل كان مشروعَ وعيٍ متكاملًا أعاد للقرآن دوره القيادي في صناعة الموقف، وتشخيص الواقع، واستشراف المستقبل..
من هدي قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، انطلق ليبني قراءة قرآنية حركية تجاوزت حدود الزمان والمكان، فأتت الأحداث كما رآها، وتكشّفت المؤامرات كما حذّر منها، وتحوّلت كلماته إلى معايير تُقاس بها مصداقية المواقف، لا إلى خطبٍ عابرة في ذاكرة الزمن.
في فكر الشهيد القائد، لم يكن القرآن كتابَ تلاوةٍ وشعائر، بل مشروعَ حياةٍ ونظامَ هدايةٍ شاملًا يربط بين الإيمان والعمل، وبين الغيب والواقع، وبين الوعد والوعيد في الدنيا قبل الآخرة.
من هذه القاعدة، تشكّلت رؤيته العميقة لسنن الله في الأمم: أن العزة ليست شعارًا، بل ثمرةُ التزامٍ عملي، وأن الذل ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجةُ تفريطٍ وانحرافٍ عن المنهج الرباني.
بهذا الفهم، قرأ الآية: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} قراءةً حضاريةً تكشف أن ما تعيشه الأمة من انهيارات سياسية واقتصادية وأخلاقية ليس مصادفة، بل عقوبةٌ دنيوية لترك الهداية، وإنذارٌ قرآنيٌّ بضرورة العودة الصادقة إلى الله.
في السابع عشر من يناير 2001م، دشّن الشهيد القائد صرخة البراءة من أعداء الله، لا كشعارٍ احتجاجي، بل كتحوّلٍ استراتيجي في وعي الأمة:
الله أكبر… الموت لأمريكا… الموت لإسرائيل… اللعنة على اليهود… النصر للإسلام.
يومها قال بثقة القائد الذي يرى ما لا يراه الآخرون: “اصرخوا وستجدون من يصرخ معكم”. لم تكن نبوءة شاعر، بل قراءة قائدٍ يفهم سنن التاريخ؛ فاليوم تتردّد الصرخة من صنعاء إلى بغداد، ومن بيروت إلى غزة، ومن ساحات اليمن إلى ميادين الأمة، لتؤكد أن مشروع الشهيد القائد لم يبقَ حبيس مران ولا حدود اليمن، بل صار معادلة وعيٍ عابرة للجغرافيا.
1. التحذير من الغزو الأمريكي لليمن
في فبراير 2002م، حذّر الشهيد القائد بوضوح من مشروع أمريكي لغزو اليمن، مؤكّدًا أن الاحتلال لا يأتي بلا ذرائع، بل يسبقه تمهيد إعلامي وسياسي يصنع “مبررات” تُتلى على الناس حتى يعتادوا العدوان.
واليوم، وبعد أن تكشّفت الوقائع، وتحوّلت السواحل والجزر إلى مسارح نفوذ، يدرك اليمنيون أن ما قاله لم يكن تخمينًا، بل قراءةً قرآنية لمسار الاستكبار.
2. كشف مشروع الهيمنة بلا احتلال مباشر
نبّه الشهيد القائد إلى أخطر أشكال الاحتلال: السيطرة على القرار، وصناعة أدوات محلية متصارعة، وتحويل الدولة إلى فوضى.. وهو ما نراه اليوم بوضوح في المحافظات المحتلة، حيث تتجسّد الفوضى والانهيارات، في مقابل نموذج الصمود والسيادة في صنعاء والمحافظات الحرة التي سارت على نهجه في الوعي والاستقلال.
3. التحذير من العبث بالمقدسات
حين تحدّث عن مشروع تقليص الحج ومنع المسلمين من أداء هذه الفريضة، استغرب كثيرون، لكن السنوات أثبتت أن الاستكبار يفهم قيمة الحج أكثر مما فهمها المتخاذلون، وأن العبث بالمقدسات جزءٌ من حربٍ شاملة على هوية الأمة.
4. قراءة تحولات الساحة الدولية
من عودة طالبان إلى مشهد أفغانستان بعد عقدين من الغزو، إلى انكشاف التحالفات الدولية الزائفة، تتجلّى بصيرة الشهيد القائد في فهم أن القوى الكبرى لا تتحرك وفق شعاراتها، بل وفق مصالحها، وأن من لا يملك مشروعًا مستقلاً سيبقى أداة في مشاريع الآخرين.
في ملزمته الخالدة “لا عذر للجميع أمام الله”، وضع الشهيد القائد الأمة أمام محكمة الضمير:
أن الاستسلام أمام العدو خيانة، وأن السكوت عن الهيمنة خنوع، وأن التخلي عن مسؤولية الجهاد والبراءة هو الطريق الأقصر إلى الذل.
لم يكتفِ بتشخيص الداء، بل قدّم الدواء: العودة إلى القرآن كمشروع عملي، لا كتراثٍ محفوظ، والإيمان بأن وعد الله بالنصر ليس آجلًا فقط، بل حاضرًا في الدنيا لمن ينصره.
أسّس الشهيد القائد في فكره لمفهومٍ عميق لمكانة الإنسان:
الإنسان خليفة الله في الأرض، مسؤول عن إقامة العدل ومواجهة الفساد، لا تابعًا لثقافة الهزيمة ولا عبدًا للطغيان.
ومن هنا جاء قوله المعبّر: “بمقدار ما تكون عبدًا لله، بمقدار ما تكون عزيزًا.”
بهذا المعنى، أعاد تعريف الحرية، لا كتمرّدٍ على القيم، بل كتحرّرٍ من التبعية، وبناءٍ للكرامة على أساس العبودية الخالصة لله.
اليوم، بعد أكثر من عقدين على انطلاقة المشروع القرآني، يقف اليمن شاهدًا حيًا على صدق الرؤية:
شعبٌ واجه عدوانًا عالميًا، فصمد.
دولةٌ حوصرت، فبنت من داخل الحصار نموذجًا للاستقلال.
أمةٌ صغيرة في الجغرافيا، كبيرة في الموقف، لأنها آمنت أن السيادة تبدأ من الوعي، وأن القرار الحرّ ثمرةُ الانتماء الصادق لله، لا للوصاية الأجنبية.
الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي لم يرحل عن التاريخ، لأنه لم يكن حدثًا عابرًا، بل مرحلةً فاصلة في وعي الأمة.
مشروعه القرآني اليوم ليس ذكرى، بل طريقًا مفتوحًا لكل الأحرار:
طريق العودة إلى الله،
طريق استعادة العزة،
طريق كسر الهيمنة،
وطريق بناء أمة تعرف عدوها، وتثق بربها، وتمضي بثبات نحو مستقبلٍ يليق بكرامتها.
*نقلاً عن موقع 21سبتمبر
التعليقات مغلقة.