صنعاء سيتي | متابعات
يضع القرآن الكريم قوانين صارمة وثابتة لحركة التاريخ ومصير الأمم، مؤكداً أن الانحراف عن قيم الحق والعدل والمنهج الإلهي لا يؤدي فقط إلى هلاك خارجي، بل يثمر “عقوبات بنيوية” تنخر في جسد المجتمعات من الداخل. ومن أعظم هذه العقوبات ما وصفه القرآن بـ “إلقاء العداوة والبغضاء”، وهي الحالة التي تفرض نفسها اليوم كواقع مشهود داخل بنية الكيان الصهيوني، الذي يعيش أزمات وجودية تتجاوز الصراع العسكري إلى صراع الهوية والوجود.
في قراءة تحليلية معمقة للمفكر وعضو المكتب السياسي لأنصار الله، الأستاذ محمد الفرح، ضمن برنامج «إنّ الدين عند الله الإسلام»، تم تسليط الضوء على الجذر الفكري للسلوك الصهيوني. يرى الفرح أن النظرة “الاستعلائية” التي يتبناها الصهاينة، القائمة على مفهوم “الاصطفاء المزعوم” وادعاء أنهم «أبناء الله وأحباءه»، هي الأرضية التي انطلق منها عدوانهم واستباحتهم لدماء الشعب الفلسطيني.
هذه النزعة من “تزكية النفس” التي واجهها القرآن بصرامة في قوله تعالى: $ألم ترَ إلى الذين يزكون أنفسهم$، أنتجت حالة من الكبر والغرور، لكنها في المقابل زرعت بذور التنافر الداخلي؛ فالمجتمع الذي يقوم على احتقار “الآخر” لا يلبث أن ينقل هذا الاحتقار إلى داخله عند أول منعطف، وهو ما نراه اليوم في الخطاب الصهيوني الذي يصف الفلسطينيين بأوصاف نازية، بينما يمارس التمييز العنصري والممنهج ضد فئاته الداخلية.
ويوضح الفرح أن القرآن الكريم نص بوضوح على أن “العداوة والبغضاء” عقوبة ملازمة لأهل الكتاب نتيجة انحرافهم، مستشهداً بقوله تعالى في سورة المائدة: $وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة$. هذه الحالة — بحسب الفرح — ليست عارضة، بل هي سمة دائمة تخلق بيئة مشحونة بالتنافر، وتجعل من الصراع الداخلي قدراً لا يمكن الفرار منه مهما حاول الكيان تصدير صورة التماسك.
هذا التناحر يتجلى بوضوح في الخارطة الاجتماعية والسياسية للكيان الصهيوني، حيث ينقسم المجتمع إلى جزر معزولة من الأعراق والتوجهات؛ بدءاً من هيمنة “الأشكناز” (يهود الغرب) على مفاصل السلطة، وصولاً إلى تهميش “السفارديم” و”المزراحيم” (يهود الشرق)، والتمييز الفج ضد “يهود الفلاشا” ذوي الأصول الأفريقية.
ويتوقف التقرير عند “انفجار التناقضات” الذي صاحب معركة “طوفان الأقصى” والعدوان على غزة؛ حيث طفت على السطح خلافات عميقة بين التيارات الدينية المتشددة (الحريديم) التي ترفض التجنيد، وبين التيارات العلمانية واليمين المتطرف.
ويؤكد الفرح أن تعثر تشكيل الحكومات، والصراع المفتوح داخل المؤسسات الأمنية والسياسية، والاحتجاجات التي تضرب شوارع تل أبيب، ليست سوى تعبيرات مادية عن تلك “العداوة والبغضاء” التي أخبر عنها النص القرآني.
في الختام، يخلص التحليل إلى أن الكيان الصهيوني، ورغم ترسانته العسكرية والدعم الدولي، يواجه “عدواً داخلياً” يتمثل في هشاشته البنيوية وتفككه الاجتماعي. إن الرؤية القرآنية تثبت صدقها يوماً بعد يوم؛ فالمجتمعات التي تتأسس على الظلم والتعالي تحمل في أحشائها بذور فنائها.
وما نشهده اليوم من أزمات داخلية صهيونية هو تأكيد على أن القوة المادية لا يمكنها ترميم كيان منقسم إلهياً وتاريخياً، وأن الظلم مهما بلغت قوته، يظل محكوماً بسنن الله التي تنتصر للحق والعدل في نهاية المطاف.
التعليقات مغلقة.