اليمن والقدس: قصةُ وفاءٍ وتضحية
صنعاء سيتي | تقرير
على صنعاء (المدينةِ التي اعتادت أن تعانق المجد من بين الركام) جاءت الغارة الصهيونية الغادرة، لتكتب سطراً جديداً في سجل تضحيات اليمن المقاوم. رئيس حكومة التغيير والبناء، أحمد غالب الرهوي، وعدد من الوزراء كانوا هدفا لنيران الحقد الإسرائيلي، في محاولةً لكسر إرادة شعب، لكنها لم تُنتج سوى يقين أعمق بأن اليمن لا يُركّع. فكلما سقط قائد نهضت أمة، وكلما ارتقى شهيد أزهرت راية. هنا، في حضرة الدماء الطاهرة، يتجلّى المعنى الأعمق: إن القادة في اليمن لا يموتون على موائد السياسة، بل يستشهدون في خنادق الواجب، فيتحوّل استشهادهم إلى نصٍ خالد يكتبه التاريخ بمداد العزة.
من قلب الرئاسة اليمنية، وانطلاقا من أننا في حضرة الشهداء فلا مجال لمراسيم العزاء الباهتة، جاء البيان كأنه فصل من تاريخ العزة: زف البيان إلى أبناء شعبنا وأمتنا كوكبة جديدة من الشهداء العظماء من القيادات الوطنية التي تمثل الشعب اليمني بكل أطيافه، معلنا استشهاد المجاهد/ أحمد غالب الرهوي رئيس الوزراء في حكومة التغيير والبناء مع عدد من رفاقه الوزراء، حيث استهدفهم العدو الإسرائيلي المجرم الغادر في ورشة عمل اعتيادية، تقيمها الحكومة لتقييم نشاطها وأدائها خلال عام من عملها، كما جرح آخرون من رفاقهم بإصابات متوسطة وخطيرة، وذلك عصر يوم الخميس الخامس من ربيع الأول 1447هـ.
رئاسة الجمهورية أكدت لشعبنا اليمني العظيم، ولأبناء الشعب الفلسطيني المظلوم، ولكل أبناء أمتنا، ولكل الأحرار في العالم، الاستمرار في موقفنا الأصيل في إسناد ونصرة أبناء غزة، وبناء قواتنا المسلحة، وتطوير قدراتها لمواجهة كل التحديات والأخطار، كما هو موقف شعبنا اليمني العظيم الحاضر في كل الميادين والساحات بكل عزم وإرادة وإيمان.
لم يكن بيان نعي فحسب، بل وثيقة عهد جديدة: أن المؤسسات باقية، وأن الخدمات مستمرة، وأن دماء الشهداء ستصبح وقوداً لصناعة الغد. لم يتحدث البيان بلغة الحزن وحده، بل بلغة الرسالة: إن استشهاد القادة ليس انكساراً، بل تأسيسٌ لمرحلة جديدة من الصمود، والوفاء لفلسطين، وتطوير القوة اليمنية حتى تغدو سيفاً مشرعاً فوق رؤوس الغزاة.
سيد القول والفعل، السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي أوضح أننا نعي أن الجهاد في سبيل الله والموقف الحق والقضية العادلة حينما نتحرك من أجلها لا بد في ذلك من التضحية، وهذه التضحية الكبيرة لن تؤثر على موقف بلدنا لا رسميا ولا شعبيا، ولن تؤدي إلى التراجع والضعف والوهن، وإنما تزيدنا التضحية في سبيل الله ثباتا وعزما ويقينا وصمودا، فنحن منذ اليوم الأول الذي أعلن فيه بلدنا موقفه المشرف المسؤول في نصرة الشعب الفلسطيني كنا نوطن أنفسنا على التضحية في سبيل الله، وندرك أهمية هذا الموقف وعظمته وشرفه وضرورته، وأنه لا بد منه بكل الاعتبارات.
وأكد أن مسارنا العسكري في استهداف العدو الإسرائيلي -سواء بالصواريخ والطائرات المسيرة أو بالحظر البحري- هو مسار مستمر وثابت وتصاعدي. مضيفا أن “مسارنا في نصرة الشعب الفلسطيني مستمر في كل المجالات بكل ما نستطيع”. وشدد على أن مسار شعبنا ممتد، ولن يتراجع عنه، ولن يتأثر أبدا، لا بحجم المعركة، ولا بمستوى التحديات، ولا بالهجمات الإعلامية، ولا بأي شيء. مضيفا أن موقف شعبنا هو الثبات والاستمرار والثقة التامة بالله سبحانه وتعالى بنصره الموعود. وأضاف: “نحن فعلا نلمس منذ بداية الموقف وما قبله رعاية الله سبحانه وتعالى في الوفاء بوعده الحق”.
الرئيس مهدي المشاط -وهو يعلن الفقد العظيم- لم يكتفِ بالرثاء، بل ارتقى بالكلمات إلى مقام العهد: “لقد ختم شهداؤنا حياتهم بالشهادة في أشرف القضايا، وضد ألد أعداء الله. أما نحن، فكرامتنا من الله الشهادة، ووعدنا النصر، وثأرنا لا ينام”، أما مستقبل المعركة مع العدو فحدد الرئيس معالمها بدقة. ووجه كلماته للصهاينة قائلا: “ثأرنا لا يبات وتنتظركم أيام سوداوية بما جنته أيدي حكومتكم القذرة الغادرة، وندعو جميع المواطنين حول العالم الابتعاد عن أي تعامل مع أي أصول تابعة للكيان الصهيوني، والفرصة لا زالت سانحة لعودة القطاعان المستوطنة إلى بلدانهم”.
لم تنتهِ حدود المعركة مع العدو عند هذا الحد، بل وجه الرئيس المشاط النصح الأخير لجميع الشركات المتواجدة في كيان الاحتلال بأن عليها “المغادرة قبل فوات الأوان، فالدماء اليمنية الزاكية الطاهرة إذا أريقت تُسقط عروش امبراطوريات حكمت العالم أو أغلبه، فما بال كيان ذليل حقير زائل، فدماء الرموز الوطنية في حكومتنا العظيمة والممجدة كفيلة بذلك، سنواصل ونواجه التحدي بالتحدي، ولن تذوقوا طعم الأمن بعد اليوم أيها الصهاينة، فالله معنا، والنصر حليفنا مهما طال الوقت، وثمن الحرية الدم، ونحن أهل التضحية والصمود والتحدي”.
تعهد الرئيس بالثأر وصناعة النصر من عمق الجراح، “فقواتنا المسلحة في موقع الاقتدار، و ما حصل عليه العدو ضربة حظ ليس أكثر من ذلك”.
هكذا تتحوّل اللغة من عزاء إلى إعلان حرب، من مرثية إلى قصيدة نصر، ومن دموع الفقد إلى حروفٍ تطرق أبواب المستقبل. خطابه كان لوحةً من فلسفة الصمود: أن الخسارة لا تعني الهزيمة، بل ولادةً جديدة من رحم التضحية.
أما وزير الدفاع اللواء الركن محمد ناصر العاطفي فحوّل العزاء إلى صرخة مدوية: “نحن جيش السيد القائد، نصغي لأمره كما نصغي لنداء الله، والجيش جاهز على كل المستويات. وأما أمريكا والعدو فإلى الفشل والمصير المحتوم.”
بهذا التصريح، بدا الجيش امتداداً للشعب، والقادة امتداداً للشهداء، واليمن كله امتداداً لفلسطين. إنها معادلة إيمانية: أمةٌ تتحوّل إلى كتلة واحدة من الإرادة، تقاتل وتستعد، لكنها لا تساوم ولا تستسلم.
أما رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن محمد عبدالكريم الغماري فأكد أن جريمة العدو الصهيوني لن تمر دون عقاب، وأن اليمن لن يتراجع عن إسناد غزة مهما كان حجم الاستهداف أو التضحية. وأضاف: “التصعيد الصهيوني في غزة أو تجاه اليمن ليس دليل قوة، بل دليل عجز وفشل في تحقيق أهدافه على مدى قرابة العامين، وسيواجه بالتصعيد بإذن الله”.
لم يتوقف المشهد عند حدود صنعاء، بل اهتزت المنطقة كلها. فقد أدرك المراقبون أن العدو الإسرائيلي، حين يغامر باستهداف قلب القيادة اليمنية، إنما يقرّ بعجزه في مواجهة صواريخ اليمن وطائراته المسيّرة، تلك التي أربكت حساباته في البحر والبر.
أما أمريكا (الشريك الخفي الظاهر) فقد بدت في موقع المتواطئ الذي يخشى إعلان هزيمته، ويكتفي بالتحريض والتمويل. لكن الحقيقة الأعمق أن اليمن -بهذا الصمود وهذه التضحيات- صار ركناً أساسياً في محور المقاومة، ومركز ثقل لا يمكن تجاوزه في معركة إسقاط الهيمنة على الأمة.
هكذا تكتمل اللوحة: دماء القادة في صنعاء، هدير الشعب في الميادين، ارتباك العدو في “تل أبيب” وواشنطن. إن اليمن -الذي قدّم من قبلُ الشهداءَ من صفوف الجيش والشعب- يقدّم اليوم قادته ورجالاته، ليؤكد أن القضية ليست تكتيكاً سياسياً، بل مبدأً إيمانيا أخلاقيا لا تراجع عنه: نصرة فلسطين حتى التحرير.
إن ما جرى ليس خبراً عابراً في نشرة، ولا حادثة تُطوى مع الأيام. إنه نصّ مفتوح على الخلود، نصّ كتب بالدم، يضع اليمن في طليعة الأمة القرآنية: صادقاً عند اللقاء، ثابتاً عند البأساء، مؤمناً أن وعد الله حق، وأن الباطل زائل. اليمن اليوم لا يقدّم فقط شهداء، بل يقدّم درساً للإنسانية: أن السياسة حين تتطهر بالدم، تتحوّل إلى ملحمة، وأن القيادة حين ترتقي شهيدة، تصير رمزاً للأبدية.
في الخامس من ربيع الأول، ارتفع الرهوي ورفاقه إلى مقام الخالدين، لكن اليمن ارتفع معهم أكثر، ليعلن أن الطريق إلى القدس تُضاء بالدماء، وأن قوافل الشهداء هي السُّلم الذي يصعد عليه المجد.
ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز.
وهكذا، من صنعاء إلى غزة، ومن دماء القادة إلى هتاف الملايين، تتشكل الملحمة الكبرى: اليمن ليس وطناً يودّع شهداءه، بل أمة تصعد بهم نحو الخلود؛ ليس شعباً يُستهدف ليُركع، بل شعبٌ يُستشهد ليزداد ارتفاعاً. هنا تتلاقى دماء الرهوي ورفاقه مع دماء أطفال غزة، في مجرى واحد نحو القدس، لتقول للعالم: إن اليمن لم يعد ساحةً معزولة، بل صار قلبًا نابضًا للأمة، يكتب بالدم أن الباطل زائل، وأن وعد الله آتٍ، وأن زمن النصر قد بدأ فعلاً، مهما تأخر في عيون الغافلين.
*نقلاً عن موقع أنصار الله
التعليقات مغلقة.