من قلب القرى.. المجتمع اليمني يصنع إنجازاته بيديه ويحوّل المبادرات إلى مشاريع تنموية

صنعاء سيتي | تقرير | محسن علي

 

في مختلف المحافظات، لا تتحرك التنمية من مركز واحد، بل تتشكل من مبادرات مجتمعية ميدانية يقودها المزارعون والجمعيات التعاونية والسلطات المحلية والأهالي، طرق تُفتح، وأراضٍ تُستصلح، ومجموعات إنتاجية تتشكل، وبذور توزع، ومياه تُحصد، ومحاصيل تنتقل من الحقل إلى السوق؛ مشهد يقدّم العمل التعاوني باعتباره أداة عملية لتحويل الموارد المحلية إلى إنتاج وخدمات وفرص، وتعزيز الاعتماد على الذات في مواجهة التحديات الاقتصادية.

البنية الأساسية بوابة الإنتاج

برزت مشاريع فتح الطرق الزراعية بوصفها مدخلًا أساسيًا لتحسين حركة المزارعين والمنتجات. ففي مديرية الرجم بالمحويت، جرت متابعة مبادرة مسح وتسوية طريق بيت قهوش الزراعي بطول ثلاثة كيلومترات، فيما شهدت مديرية وصاب العالي بذمار إنجاز طريق مغربة السقا – دمو الرباط بطول 3.3 كيلومتر، ليستفيد منه أكثر من خمسة آلاف نسمة بصورة مباشرة ونحو 22 ألفًا بصورة غير مباشرة.

وتتواصل مبادرات الطرق في الجوف بمديريتي الزاهر والمطمة، وفي جبل مراد بمأرب، والجميمة بحجة، وميفعة عنس بذمار، حيث تتكامل مساهمات المجتمع مع المعدات والوقود والدعم المحلي، ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على تسهيل التنقل، بل تفتح للمزارعين طريقًا أقل كلفة نحو الأسواق، وتربط الإنتاج بمنافذ التسويق والخدمات.

تنظيم المزارعين وتحويل الجهود إلى إنتاج

في حجة، اتجهت المبادرات إلى بناء إطار مؤسسي للعمل الزراعي عبر تشكيل الجمعيات والمجموعات الإنتاجية. ففي أفلح الشام نوقشت آليات إشهار جمعية تعاونية متعددة الأغراض وتحزيم المزارعين ضمن لجان ومجموعات على مستوى العزل، وفي قفل شمر تشكلت ست مجموعات إنتاجية، بينما أسفرت الأنشطة في ريف حجة عن تشكيل 39 مجموعة في عزلتي النفيش والمعمري، وشكلت جمعية مستباء 13 مجموعة أخرى في عزلة الأوسط.

وتعزز هذه المجموعات قدرة المزارعين على الحصول على المدخلات والخدمات، وتوحيد الجهود، والتفاوض على التسويق، ومتابعة الاحتياجات عبر ميسرين محليين، وفي الجوف، حملت إحدى المجموعات اسم «الاكتفاء الذاتي»، في دلالة على التوجه نحو تنظيم الإنتاج وربطه بهدف الأمن الغذائي.

مدخلات زراعية وسلاسل قيمة

دعمت المبادرات الإنتاج من خلال توفير المدخلات والخدمات. فقد وزعت جمعية المراشي بالجوف 25 طنًا من بذور القمح المحسنة، بهدف توسيع الرقعة المزروعة وتقليل فاتورة الاستيراد، فيما دشنت جمعيات في المحويت والحديدة مشاريع حراثة مجتمعية لتقليل كلفة التجهيز وتهيئة الأراضي للموسم الزراعي.

وفي ريمة، ركزت جمعية السلفية على تطوير إنتاج البن وتحسين جودته وتسويقه باسم المزارع والمنطقة، وربطه بالقطاع الخاص عبر مؤسسة متخصصة، بما يحفظ حقوق المنتجين ويرفع القيمة المضافة، كما استهدفت جمعية الخبت بالمحويت محاصيل الكركم والفول السوداني، مع التشديد على إدخالها في الصناعات الغذائية واستكمال سلسلة القيمة من الحقل إلى السوق.

المياه والأراضي.. استثمار الموارد المحلية

امتدت الجهود إلى استصلاح الأراضي وإدارة المياه، ففي البيضاء، أطلقت جمعية صباح مشروع حراثة واستصلاح 500 لبنة، فيما دشنت جمعية بني وهب حاجزين ترابيين للاستفادة من مياه الأمطار والحد من الانجراف وتغذية المياه الجوفية، وفي حفاش بالمحويت، يستهدف مشروع القروض البيضاء استكمال 18 خزانًا لحصاد مياه الأمطار، بينما دشنت جمعية الدريهمي خزانًا لتوفير المياه للأهالي والمزارعين.

كما شملت المبادرات استصلاح أراضٍ متضررة من السيول في مستباء، وتحويل مدرجات زراعية مهملة في حرم جامعة المحويت إلى مشاريع إنتاجية وتدريبية، بما يربط التعليم بالممارسة ويحوّل الموارد غير المستغلة إلى فرص عمل وخبرة.

التنمية تتجاوز الزراعة

أخذ العمل التعاوني أبعادًا خدمية واجتماعية؛ إذ نفذت جمعية الزهرة بالحديدة مبادرة لردم المستنقعات وتصريف مياه الأمطار، ونفذت جمعية شعوب حملات نظافة وردم حفريات لتحسين البيئة وحماية حركة المشاة، فيما شارك الأهالي في ترميم سطح مدرسة النصر بالمحويت،وفي صعدة، استهدف مشروع تمكين اقتصادي 205 أسر عبر خلايا نحل ومواشٍ ومشاريع صغيرة ومكائن خياطة، بهدف نقلها من الاحتياج إلى الإنتاج.

ختاماً…

تكشف هذه المبادرات أن التنمية المحلية لا تُقاس بحجم المشروع وحده، بل بقدرته على جمع المجتمع حول حاجة مشتركة وتحويل المساهمة الشعبية إلى أثر دائم، فالطريق يفتح سوقًا، والمجموعة تنظم الإنتاج، والبذرة توسع المحصول، وخزان المياه يحمي الموسم، والتعاونية تربط كل ذلك بالتمويل والخبرة والتسويق.

وبهذا تتشكل، من المحافظات والقرى، منظومة تنموية متدرجة تجعل الأمن الغذائي والخدمة العامة والتمكين الاقتصادي مسؤولية جماعية تبدأ من المجتمع وتعود بالنفع عليه.

 

*نقلاً عن موقع يمانيون

التعليقات مغلقة.