5 وفيات وما خفي أعظم بالسودان.. وباء حمى الضنك يفترس سنار بلا رحمة
صنعاء سيتي | متابعات
لم تعد حمى الضنك في ولاية سنار، جنوب شرقي السودان، مجرد وباء تلاحقه السلطات الصحية بالأرقام والتحذيرات؛ إنها خطر يتسلل إلى المنازل، ويهدد الأسر في صحتها وقدرتها على البقاء، بينما تتزايد المخاوف من اتساع رقعة العدوى خارج حدود الإحصاءات الرسمية.
خمس وفيات في أحدث تقرير صحي، وولاية تتصدر معدلات الإصابة بالمرض في البلاد، ومصادر ميدانية تتحدث عن انتشار واسع، في وقت قد تبلغ فيه كلفة علاج المريض 400 ألف جنيه سوداني، أي نحو 40 دولارا أميركيا وفق سعر الصرف في السوق الموازية.
هكذا يجد سكان سنار أنفسهم أمام معركتين متزامنتين: الأولى مع مرض ينقله البعوض، والثانية مع فاتورة علاج قد تتجاوز قدرة أسرهم. وبين مخاوف المواطنين ومحدودية المعلومات المُحدثة، يظل السؤال الأكثر إلحاحا: كم مريضا لم تصل إصابته إلى السجلات، وكم أسرة تعجز عن توفير العلاج؟
*أرقام رسمية ومخاوف تتجاوزها
أعلنت وزارة الصحة بولاية سنار، في إحصائية سابقة، تسجيل 1412 حالة إصابة بحمى الضنك، وفقا لمجموع الأرقام التفصيلية للمحليات: 587 حالة في سنجة، و523 في سنار، و165 في شرق سنار، و95 في أبوحجار، و32 في الدالي والمزموم، و10 حالات في السوكي.
وجاء أحدث تقرير لإدارة الترصد والمعلومات التابعة لمركز عمليات الطوارئ الصحية بوزارة الصحة الاتحادية، الصادر الثلاثاء، ليؤكد أن سنار لا تزال تتصدر معدلات الإصابة بحمى الضنك على مستوى البلاد، ولا سيما في محليتي سنار وسنجة، مع تسجيل خمس وفيات، ثلاث منها في سنجة واثنتان في سنار.
لكن الصورة الميدانية، وفق إفادات محلية، تبدو أكثر إثارة للقلق. فمصادر تحدثت إلى “العربية.نت” تقول إن المنازل في مناطق واسعة من الولاية لا تكاد تخلو من مريض واحد على الأقل بحمى الضنك.
ولا تمثل هذه الإفادات مسحا شاملا، لكنها تعكس حجم المخاوف بين السكان، وتطرح تساؤلات عن الإصابات التي قد لا تصل إلى المرافق الصحية أو لا تُدرج في الإحصاءات الرسمية.
وتجزم مصادر ميدانية إن الأرقام الرسمية المتاحة لا تعكس، في تقديرها، حجم الكارثة الحالية، مشيرة إلى أن إحصائية 1412 حالات تعود إلى نحو ثلاثة أسابيع، بينما تفاقمت الأوضاع في سنار وود هاشم وعدد من القرى بمعدلات بالغة الخطورة.
كما تتحدث عن نقص في فرق الرصد والتقصي، وعن وفيات إضافية لم تتضح أعدادها الحقيقية بعد.
ولا تتوافر حصيلة مستقلة تؤكد تسجيل وفيات أخرى أو تحدد حجم الزيادة في الإصابات. لكن الفجوة الزمنية بين الإحصاءات وتصاعد المخاوف الميدانية تجعل تحديث الأرقام والتحقق منها ضرورة عاجلة، لا سيما في ولاية تتصدر المؤشرات المعلنة للإصابة بالمرض.
وتتفاقم المخاوف وسط ظروف بيئية وخدمية تساعد على تكاثر البعوض، أبرزها مياه الأمطار الراكدة، وانقطاعات الكهرباء، واضطراب إمدادات المياه الذي يدفع السكان إلى تخزينها في البراميل والخزانات.
وعندما تُترك هذه الحاويات مكشوفة أو لا تُنظف بصورة مناسبة، يمكن أن تتحول إلى بؤر لتكاثر البعوض الناقل للمرض.
وحذر أطباء ومختصون من خطورة تدهور الوضع الوبائي في سنار بسبب تزايد الإصابات بحمى الضنك والملاريا، وطالبوا بإعلان حالة الطوارئ واتخاذ تدابير عاجلة.
وتؤكد مصادر طبية وميدانية لـ”العربية.نت” إن قدرات الرصد والتقصي لا تواكب حجم المخاوف، وإن المستشفيات ومراكز العلاج تواجه ضغطا متزايدا.
لا تنتهي محنة المرضى عند ظهور الأعراض؛ فالحصول على التشخيص والعلاج قد يتحول إلى عقبة قاسية أمام الأسر محدودة الدخل. وبحسب إفادات ميدانية نقلتها مصادر طبية وميدانية تحدثت إلى “العربية.نت”، تبلغ كلفة فحص حمى الضنك نحو 40 ألف جنيه سوداني، مقابل نحو 9 آلاف جنيه لفحص الملاريا، فيما قد تصل كلفة العلاج إلى 400 ألف جنيه، مع اختلاف الأسعار من منطقة إلى أخرى.
وتقول المصادر إن بعض المواطنين يلجأون إلى فحص الملاريا الأقل كلفة لتخفيف النفقات، وسط مخاوف من تأخر تشخيص بعض الحالات. لكن فحص الملاريا لا يشخّص حمى الضنك، ويظل تحديد المرض معتمدا على التقييم الطبي والفحوص المناسبة.
وقال أحد المواطنين لـ”العربية.نت” إن العجز عن تحمل نفقات العلاج قد يعرّض حياة المريض للخطر، فيما لخّص آخر ضيق الحال بقوله: “أصبحت الاحتياجات الأساسية ضربا من الرفاهية”.
وفي ظل الضغوط المعيشية، قد تجد الأسرة نفسها مضطرة إلى المفاضلة بين الطعام والدواء، خصوصا إذا ظهرت الأعراض على أكثر من فرد فيها. ومع ارتفاع كلفة الفحوص والعلاج، يصبح الفقر عاملا إضافيا في تعقيد الأزمة، إذ قد يؤخر بعض المرضى طلب الرعاية أو يدفعهم إلى خيارات لا تغني عن التشخيص الطبي الصحيح.
ويطالب السكان المحليون، بتوفير محاليل العلاج الوريدي، المعروفة محليا باسم “الدربات”، بأسعار رمزية، وتكثيف حملات الرش، وإزالة مواقع تكاثر البعوض، وإرسال فرق ميدانية لزيارة المنازل ورصد الإصابات. كما تبرز الحاجة إلى توسيع قدرات المرافق الصحية وضمان توافر الفحوص والأدوية بأسعار يستطيع المواطنون تحملها.
*كم إصابة ووفاة خارج الحسابات؟
في سنار، تتجمع ثلاثة مؤشرات لا يمكن تجاهلها: تصدر الولاية معدلات الإصابة المعلنة، وتسجيل خمس وفيات في سنجة وسنار، وإفادات محلية تتحدث عن انتشار واسع للمرض داخل المنازل. هذه المؤشرات لا تثبت وحدها أن الحصيلة الحقيقية أكبر من الأرقام الرسمية، لكنها تفرض تحركا عاجلا للتحقق من حجم الانتشار.
كم بلغ عدد الإصابات منذ آخر إحصائية؟ وهل وصلت فرق الرصد إلى المناطق والقرى الأكثر تضررا؟ وهل سُجلت وفيات أخرى لم تظهر في الحصيلة المنشورة؟ لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالتخمين أو بمخاوف السكان وحدها، بل بتحقيق ميداني واسع، وبيانات محدثة تفصل الإصابات والوفيات بحسب المحليات والفترات الزمنية.
في الأثناء، يواجه السكان وباء يخشونه، وفحوصا وعلاجا قد يعجزون عن دفع ثمنهما، ومرافق صحية تتعرض لضغوط متزايدة. والخطر لا يكمن في عدد الإصابات المعلنة وحده، بل أيضا في احتمال تأخر المرضى عن طلب الرعاية، واتساع العدوى بينما تظل المعلومات المتاحة غير كافية لرسم صورة مكتملة.
سنار لا تحتاج إلى تحذيرات جديدة بقدر ما تحتاج إلى كشف واضح لحجم الأزمة، وتوفير العلاج بأسعار ميسرة، وتكثيف مكافحة البعوض، وإسناد المرافق الصحية بما يتناسب مع الاحتياجات. فحين تتصدر ولاية معدلات الإصابة في البلاد، وتُسجل فيها وفيات، وتتحدث مصادر محلية عن انتشار واسع، يصبح تأخير الرصد والاستجابة مخاطرة لا تحتملها حياة السكان.
التعليقات مغلقة.