السلام بشروط صنعاء أم تسوية تُعيد إنتاج الحرب؟ ماذا تكشف تصريحات محمد عبدالسلام عن حسابات الرياض ومصير خارطة الطريق؟
صنعاء سيتي | تقرير
جاءت التوضيحات الصريحة التي أعلنها رئيس الوفد الوطني المفاوض، محمد عبدالسلام، بشأن مستجدات المسار السياسي والتفاوضي، لتضع النقاط على الحروف في لحظة فارقة، كاشفةً بالوقائع الدامغة زيف الادعاءات التي تروّج لرفض صنعاء الحوار أو اللقاء بالجانب السعودي في سلطنة عُمان الشقيقة. لم تكن هذه الإحاطة مجرد دحض لتضليل إعلام العدوان، بل جاءت ترجمةً دقيقة للمحددات المبدئية التي أرساها السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في خطابه بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية، والذي وضع فيه التحالف أمام استحقاقات إنهاء الحصار والمعالجات الإنسانية العاجلة، كاشفاً كيف أدارت صنعاء اتصالاتها المباشرة وغير المباشرة بمنتهى المسؤولية الوطنية لحث الرياض على التجاوب مع خارطة الطريق المتوافق عليها.
تؤسس إحاطة رئيس الوفد الوطني لقراءة استراتيجية تفكك مناورات تحالف العدوان؛ إذ تعري محاولات النظام السعودي الهروب من التزاماته والاستقواء بالمتغيرات الإقليمية لفرض تنازلات سياسية عبر الابتزاز المعيشي. إن استعراض محطات هذا المسار—بدءاً من الاستهداف الإجرامي لمطار صنعاء الدولي بغية إجهاض مساعي السلام، مروراً بالمماطلة المكشوفة أمام مقترحات التهدئة العُمانية، وتزامن ذلك مع تفجير التصعيد العسكري في الساحل الغربي—يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن صنعاء، بقيادتها الحكيمة وقواتها المسلحة، تمتلك كامل المبادرة السياسية والميدانية، وأن حقوق الشعب اليمني الإنسانية والسيادية استحقاق حتمي غير خاضع للمساومة.
الحصار وسيلة ابتزاز
وثّق رئيس الوفد الوطني ارتكاب النظام السعودي حماقة نسف التهدئة حين أقدم في 13 يوليو 2026م على قصف مطار صنعاء الدولي، متجاهلاً التحذيرات الصريحة التي وجهتها صنعاء لثنيه عن هذه الخطوة الاستفزازية؛ حيث كان الهدف المباشر للعدوان منع عودة الوفد الرسمي واحتجاز الحالات الإنسانية الحرجة من العالقين والمرضى. لم يكن هذا الاستهداف مجرد خرق عسكري عابر، بل جريمة أخلاقية وسياسية مكتملة الأركان هدفت إلى إحكام الحصار الجوي والبحري، وتأكيد إصرار العدو على مصادرة أبسط الحقوق الإنسانية لأبناء الشعب اليمني واستخدام معاناتهم ورقة ضغط رخيصة.
انطلق سلوك تحالف العدوان من تقدير وهمي بأن “مزيداً من الضغوط الإنسانية والاقتصادية كفيلة بإرغام صنعاء على القبول بما عجز عن تحقيقه عسكرياً” طوال سنوات الحرب. يعكس هذا المنطق إفلاساً استراتيجياً لدى دوائر القرار في الرياض؛ إذ تحاول إعادة تدوير سلاح التجويع والحرمان الجماعي كلما عجزت أدواتها الميدانية عن كسر إرادة اليمنيين، متناسية أن الملف الإنساني—وفي مقدمته فتح المطارات والموانئ وصرف المرتبات—يمثل ثابتاً سيادياً وأخلاقياً لا يقبل المقايضة تحت وطأة التهديد.
أمام هذا الصلف والجريمة الصريحة بحق المطار والمدنيين، كان لزاماً على القوات المسلحة اليمنية أن تضطلع بمسؤولياتها الوطنية والدينية في حماية الشعب؛ فتحول الرد العسكري من خيار تكتيكي إلى واجب دفاعي حتمي لكسر غطرسة العدو. دشنت صنعاء بذلك مرحلة جديدة من فرض المعادلات الحازمة، مبرهنة للنظام السعودي أن إغلاق منافذ اليمن واستمرار القرصنة لن يقابلا بالصمت، بل بضربات ردع استراتيجية تجعل استمرار الحصار أعلى كلفة وأشد خطراً على أمن المعتدي ومصالحه.
استراتيجية شراء الوقت
فضح محمد عبدالسلام أسلوب الخداع والمماطلة الذي انتهجته الرياض إزاء مساعي التهدئة التي قادها الأشقاء في سلطنة عُمان؛ فبينما تعاطت صنعاء بمسؤولية عالية وأبلغت مسقط بموافقتها خلال 3 أيام فقط على هدنة مدتها 5 أيام لتهيئة أجواء تفاوضية هادئة مشروطة بالاستجابة للمطالب الإنسانية، التزم الجانب السعودي صمتاً مريباً امتد لنحو 21 يوماً. جاء هذا السلوك المتبلد ليكشف أن الرياض لم تكن معنية قط بإنجاح المسار التفاوضي أو التخفيف من معاناة اليمنيين، بل كانت تبحث عن غطاء زمني لترتيب أوراقها العدوانية.
اقترنت فترة المماطلة الدبلوماسية بتحركات عسكرية حثيثة كشفت النوايا المبيتة لتحالف العدوان؛ إذ استغل النظام السعودي مهلة الأسابيع الثلاثة في التحشيد والتسليح ودفع التشكيلات التابعة له لتفجير التصعيد الميداني في جبهات الساحل الغربي. مثّل هذا التحرك خيانة صريحة لأجواء التهدئة ومحاولة مكشوفة لإعادة خلط الأوراق الميدانية وتخفيف الضغط البحري، ما أكد لقوى الموقف الوطني أن التأخير السعودي “إنما هو لشراء الوقت” وتمرير مخطط تصعيدي جرى الترتيب له تحت ستار الوساطة.
أسقط الرد السعودي المتأخر، بما تضمنه من شروط إضافية تلتف على ما جرى التوافق عليه مسبقاً في خارطة الطريق قبل “طوفان الأقصى”، أي ادعاء بالجدية لدى الرياض. كان رد صنعاء قاطعاً في رفض تلك الاشتراطات الالتفافية، مجدداً التأكيد على أن الحقوق الأساسية للشعب اليمني ليست بضاعة للمساومة التكتيكية، وأن أي مسار تفاوضي يتجاهل الاستحقاقات الإنسانية الملحة ومخرجات التفاهمات السابقة هو مسار عقيم يسعى لتكريس الحصار لا لإنهائه.
- مقترح عُماني مسؤول بتهدئة لـ 5 أيام لخوض مفاوضات في أجواء هادئة.
- استجابة سريعة من صنعاء خلال 3 أيام مشروطة بجدية التجاوب الإنساني.
- مماطلة سعودية متعمدة استمرت 21 يوماً بهدف شراء الوقت والالتفاف.
- استغلال التهدئة في التحشيد والتسليح وتفجير المواجهات في الساحل الغربي.
إفلاس الرهانات على طوفان الأقصى
بنى النظام السعودي حساباته على قراءة سياحية متوهمة، ظاناً أن “التحولات الإقليمية والدولية ومشاركة اليمن في طوفان الأقصى تجعله في غنى عن الوفاء بالتزاماته تجاه اليمن”. اعتقدت الرياض أن انخراط صنعاء في معركة الأمة المصيرية ضد كيان العدو الصهيوني سيعزلها ويضعها تحت طائلة ضغوط دولية كبرى، مما يتيح لتحالف العدوان التنصل من خارطة الطريق والعودة لفرض شروط الاستسلام القديمة دون دفع أي ثمن سياسي أو أخلاقي.
اصطدمت هذه الأوهام بصلابة الموقف اليمني المبدئي؛ حيث أكدت صنعاء أن واجبها الديني والإنساني في إسناد المقاومة الفلسطينية ومقارعة العدو الصهيوني يمثل امتداداً طبيعياً لمعركة التحرر والاستقلال، ولا يمكن أن يكون ثغرة يستغلها المعتدون لتقويض السيادة الوطنية. لقد أثبتت الوقائع أن صنعاء قادرة على إدارة كافة مسارات الصراع باقتدار متناهٍ، وأن الالتزام بنصرة غزة يعزز من قوة الردع الوطني ولا يمنح العدو أي هامش للمناورة على حساب كرامة اليمنيين وحقوقهم المشروعة.
معادلة الردع تكسر أوهام التصعيد
أمام انسداد الأفق الدبلوماسي بفعل التعنت السعودي واستئناف التحشيد، أثبتت صنعاء أن خيارات الردع الاستراتيجي هي الضمانة الوحيدة لإسقاط رهانات العدو وإعادته إلى جادة الصواب. لم تكن العمليات العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية سوى تدشين لمعادلة اشتباك صارمة تضع حداً لسياسات المماطلة، وتوجّه إنذاراً نهائياً بأن كل مسعى سعودي لفرض الحصار أو تسخين الجبهات الداخلية سيقابله رد واسع ينقل المعركة إلى عمق المعتدي ومنشآته الحيوية.
أعادت ضربات القوات المسلحة ضبط الميزان التفاوضي والميداني؛ إذ جردت الرياض من أوهام التفوق وأسقطت فكرة الحماية الخارجية التي يعول عليها النظام السعودي لتأمين نفسه أثناء ممارسة الخنق الاقتصادي ضد اليمنيين. أظهرت هذه الجاهزية العالية أن صنعاء تمتلك بنك أهداف واسعاً وقدرات عملياتية متطورة قادرة على إلحاق خسائر اقتصادية واستراتيجية بالغة بالعدو، تجعل من كلفة استمرار العدوان والتعطيل أثقل بكثير من كلفة الإذعان لاستحقاقات السلام العادل.
تؤكد هذه التحولات أن زمن الإملاءات وفرض سياسات الأمر الواقع قد ولى دون رجعة، وأن استمرار المناورة بالملف الإنساني أصبح بمثابة انتحار سياسي واقتصادي لتحالف العدوان. تقف صنعاء اليوم على أرضية صلبة من القوة والثقة، واضعة النظام السعودي أمام حقيقة وحيدة: لا استقرار للمنطقة، ولا أمان لمنشآت المعتدين ومشاريعهم، ما لم تُرفع القيود عن موانئ اليمن ومطاراته ويُطوى ملف الحصار والعدوان بصورة شاملة وجذرية.
سقوط رهان العدوان وبوصلة القرار الوطني
في المحصلة الاستراتيجية، يترسخ جلياً أن النظام السعودي يمر بمأزق بنيوي ناتج عن عجزه العسكري في الميدان ورهانه الخائب على أدوات الحصار الاقتصادي لكسر صلابة الجبهة اليمنية. إن صنعاء تقف اليوم من موقع الاقتدار وفرض المعادلات، محصنة بوعي قيادي وقوة ردع متنامية تجعل من أي محاولة لفرض الإملاءات أو الابتزاز السياسي مغامرة محكومة بالفشل المسبق، معلنة للعالم أجمع أن لغة القوة والمماطلة لا تبني سلاماً بل تستدعي رداً حاسماً يوازن موازين القوى.
إن مجريات الأحداث والتجارب المتراكمة تؤكد أن سياسات المماطلة لن تزيد صنعاء إلا إصراراً على انتزاع حقوق الشعب اليمني كاملة غير منقوصة وكسر الحصار المفروض عليه بكل الوسائل المتاحة. ولن تجني الرياض من رهانها على كسب الوقت سوى مزيد من الخسائر الميدانية والسياسية، لتظل الكلمة الفصل للميدان وللقرار الوطني المستقل الذي لا يساوم على كرامة اليمن وسيادته وعزته.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.