اليمن وغزة.. رغيف الموت وصبر الأنبياء
صنعاء سيتي | مقالات | هاشم عبدالجليل جحاف
بين صنعاء وفلسطين يتوحد الألم والبطولة، ليصنعا ملحمة الصمود في وجه التخاذل؛ فحينما تتزاحم خناجر التآمر في عنق الأمة، ويرتدي الموت عمامته من غزة إلى الجوف وتعز وحجة وعموم المحافظات التي يقتل العدو السعودي فيها النساء والأطفال، يرتفع اليمن بعمليات قواته المسلحة وجهاد شعبه، شامخاً كطود عتيد؛ يداوي جراح الأمة، وتزيد روحه التحاماً بروح غزة المكلومة، في مشهدية أفاق أممها كل ذي إنسانية وكرامة.
ولمن يبحث عن السبب سيجد أنها عروة الدين والثقة بالله والدم والأرض التي تحطمت على صخرتها جيوش الغزاة والمحتلين والمستكبرين.
وفي زمن ترخص فيه الأوطان، يقف اليمني المتخم بالوجع، المحاصر بالنار، ليقول للعالم إن أوجاعنا هباء حين نرى أطفال غزة يصارعون الموت عراةً إلا من يقينهم.
فعن أي معاناة سنكتب؟ فهناك.. أم في غزة تضع أشلاء طفلها في كيس طحين كانت تنتظر أن تخبزه له، وهنا.. أم في الجوف تحتضن صغارها على وجبة غداء من غارة العدو السعودي، فترتقي بهم إلى باريها شهيدة.
وهنا وهناك أطفال بلا أطراف، وشيوخ يتكئون على حطام دورهم، وحصار أطبق على الأنفاس حتى باتت شربة الماء أمنية، وكسرة الخبز حلماً مستحيلاً.
فغزة اليوم كاليمن المحاصر والمعتدى عليه من كيان سعودي هو صنوان للكيان الصهيوني، باتا محرقة لأكاذيب مدعي القيم والإنسانية وزيف المواثيق والمعاهدات الدولية، ومنارة للأحرار، ومختبراً إلهياً تجلت فيه آيات الصبر، وثمن الارتباط الوثيق بالله والاعتماد عليه، والعمل وفق توجيهاته.
فلا فرق؛ إنهم يموتون واقفين مجاهدين متحركين، ليعلّموا العالم كيف تُصنع الحياة من رحم العدم المصحوب بالثقة المطلقة بالله ونصرته ووعده ووعيده.
وإذا ما تحدثنا عن اليمن اليوم، فهو شعب استمرأ أعداؤه طعنه في الخاصرة، وتكالب عليه شرار الأرض لتجويعه؛ شعب يعيش 21 مليوناً من أبنائه على حافة الحاجة والمساعدات، حيث يكاد الدواء ينعدم.
ومع ذلك، هذا الشعب الجائع المحاصر هو نفسه الذي يخرج بالملايين كل جمعة إلى الساحات، ينفض عن كاهله غبار الألم، ليضع غزة في حدقة العين ومهجة القلب.
إن كل نبضة قلب في جبال اليمن ووديانها هي صدى لصرخة طفل غزاوي تحت الأنقاض تقول: “نحن لا نتفرج لنكتفي بالبكاء والشجب والتنديد، ولكننا نعد ونتحرك بمواقف عملية لمسها أهلنا في غزة وشهد بها العالم، فكانت لصمود المجاهدين في غزة البلسم، كما هي لشعبنا مصدر يعبر به عن هويته الإيمانية وثقافته القرآنية”.
فكم أُقنعة تساقطت منذ “طوفان الأقصى”، وبقيت غزة واليمن ومحور الجهاد والمقاومة في ميدان الشرف، يسطران أروع ملاحم البطولة في معركة الحق ضد الباطل، ولن تستطيع ترسانات الأرض أن تنال من إرادة شعبين قررا أن يعززا بدماءهما كرامة أمة بأكملها.
والحقيقة الثابتة اليوم تقول إن العواصف مصدر ليتعلم الأحرار ثمرة الصمود والبذل والعطاء، وأن الطغاة إلى زوال، وتبقى غزة واليمن أيقونتين للأحرار إلى قيام الساعة، فيما المتفرجون تلفظهم صفحات التاريخ.
فليسأل كل واحد منا الآن: ماذا قدمنا لتبقى هذه الأيقونة حية؟ كم أعددنا للجهاد في سبيل الله؟ كم قافلة سيرناها لرفد الجبهات؟ كم من المال قدمناه ليصمد شعبانا ومجاهدونا؟ وكم دعوة صادقة رافقت أعمالنا في الميدان فكانت مثمرة؟ فلا دعاء يُقبل دون عمل.
التعليقات مغلقة.