سلامٌ بشروط الاستسلام.. كيف توظّف واشنطن والأمم المتحدة التسوية لتكريس الحصار السعودي وإخضاع اليمن؟
صنعاء سيتي | تقرير
في محطة سياسية متقدمة تكشف اختلال المعايير الدولية، جاء بيان وزارة الخارجية والمغتربين بصنعاء ليفكك مضامين الإحاطة الدورية للمبعوث الأممي إلى اليمن وما رافقها من مواقف في مجلس الأمن. لقد أبرز البيان بوضوح حجم التناقض الدولي الذي يرحب بالمواقف الإيجابية الصادرة عن المندوبين الروسي والصيني في مواجهة الهيمنة الأمريكية، بينما يواصل توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي للدول الاستعمارية التي تدير منظومة الحصار والعدوان ضد الشعب اليمني.
ولم يقتصر البيان على الرد الدبلوماسي الروتيني، بل وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية، مفنداً المزاعم الغربية التي تحاول تبرئة النظام السعودي من جرائم الحرب والدمار الممنهج. وتؤكد صنعاء من خلال هذا الموقف أن أي مقاربة أممية تتجاهل الجذور الحقيقية للأزمة، والمتجسدة في العدوان والحصار الشامل المستمر منذ مارس 2015، هي مقاربة محكومة بالفشل ولا تخدم السلام الحقيقي.
تصدت الدبلوماسية اليمنية بالأدلة القاطعة لأكاذيب القوى الغربية وممثلي تحالف العدوان، مؤكدة أن النظام السعودي هو الطرف الوحيد الذي أغلق مطار صنعاء الدولي وقوض مسار التهدئة. فقد أقدمت الرياض في الثالث عشر من يوليو الماضي على استهداف مطار صنعاء بصورة مباشرة لمنع إقلاع وهبوط رحلة إنسانية، في سياق سياسة العقاب الجماعي التي تستهدف أربعين مليون يمني. ويُعد هذا الاستهداف دليلاً دامغاً على زيف الادعاءات السعودية بشأن الرغبة في السلام، حيث تستخدم البنى التحتية المدنية والأعيان ذات البُعد الإنساني كأوراق ضغط سياسي واقتصادي بغطاء أممي مخزٍ.
ولا يمكن فصل هذا السلوك العدواني عن استمرار الإغلاق المحكم للموانئ والمطارات اليمنية، والذي يمثل انتهاكاً صارخاً لأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف. إن جاهزية صنعاء لتحييد الأهداف ذات البُعد الإنساني، وفي مقدمتها المطارات والموانئ، تصطدم تعسفياً بالتعنت السعودي-الأمريكي الذي يرفض فصل الملف الإنساني عن المساومات العسكرية والسياسية. وبذلك يتبين لكل باحث عن الحقيقة أن استمرار الحصار ليس إجراءً دفاعياً كما تروج قوى العدوان، بل هو سلاح فتاك لإخضاع الشعب اليمني النبيل عبر تجويعه وحرمانه من مقومات الحياة الأساسية.
وتعكس هذه المعطيات استراتيجية ممنهجة تعتمدها الإدارة الأمريكية وأدواتها الإقليمية لإبقاء حالة اللاحرب واللاسلم، بما يخدم أجندات الهيمنة الإقليمية وحماية الكيان الصهيوني. إن محاولة تحويل معاناة المرضى والمسافرين والتجار إلى مادة للتفاوض تكشف البعد اللاإنساني للتحالف، وتؤكد أن أي حديث عن مسار تفاوضي جاد يظل لغواً طالما استمر إغلاق الشرايين الحيوية للبلاد. وعليه، فإن صنعاء تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لإثبات جديته في رفع المعاناة الإنسانية بعيداً عن سياسة الكيل بمكيالين والمجاملات الدبلوماسية للجلاد.
أكدت وزارة الخارجية بصنعاء بكل حزم أن محاولة فرض الاحتلال السعودي الإماراتي على الأراضي اليمنية هو أمر مُحال، ولن يقبل به الشعب اليمني مهما بلغت التبعات وتصاعدت المواجهات. وتستند هذه الثقة المطلقة إلى سجل تسع سنوات من الصمود الأسطوري والتضحيات الجسام التي قدمها أحرار اليمن في مختلف الجبهات دفاعاً عن العزة والكرامة والسيادة الوطنية. إن الرهان على كسر إرادة الشعب اليمني عبر القصف المدمر والحصار الغاشم قد سقط تماماً على صخرة الوعي الوطني والجاهزية العالية لقواتنا المسلحة الباسلة.
وفي السياق ذاته، شدد البيان على أن من يشرعن للمجرم السعودي عربدته الجوية وصواريخه العابرة للحدود في عموم المحافظات اليمنية، ويسلب اليمن حقه المشروع في الرد والدفاع عن النفس، هو شريك كامل في جرائم الحرب والإبادة الجماعية. وتبرز هنا خطيئة الدول الاستعمارية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا، التي تقدم الغطاء العسكري والاستخباري والسياسي للعدوان، متجاوزة كافة المواثيق والأعراف الدولية التي تكفل للدول المعتدى عليها حق الردع والسيادة.
وتتجسد هذه الشراكة العدوانية في محاولات فرض كيانات كرتونية ومجاميع من المرتزقة والفارين القابعين في فنادق الرياض على شعب بأكمله، وهو ما يعكس نزعة استعمارية مقيتة تتناقض كلياً مع حق الشعوب في تقرير مصيرها. وقد تجلت هذه النزعة في محاربة كل مقومات الدولة اليمنية المستقلة، ودعم مشاريع التمزيق والتشطير والسيطرة على الثروات السيادية والنفطية والغازية للبلاد. ومن هنا، فإن السقوط المذل للشرعيات المزعومة في اختبار الأرض والشعب يؤكد أن القرار اليمني بات صناعة محلية خالصة لا تقبل الوصاية.
- فقدان الشرعية الميدانية: انحسار سيطرة أدوات التحالف وارتزاقه واقتصار وجودهم على المنافي والفنادق الخارجية دون أي ظهير شعبي حقيقي في الداخل.
- الغطاء الدولي المفضوح: تورط مجلس الأمن والدول الكبرى في توفير مظلة حماية دبلوماسية للعدوان السعودي عبر قرارات منتقاة ومغلوطة.
- إسقاط سردية الحرب الداخلية: ثبوت بالدليل القاطع أن ما جرى ويجري هو عدوان خارجي واسع النطاق تقوده تحالفات دولية واقليمية وليس صراعاً محلياً أهلياً.
- التكالب على الثروات: استمرار نهب العائدات السيادية للنفط والغاز اليمني وحرمان الموظفين من رواتبهم كأداة ضغط فاشلة.
جددت وزارة الخارجية تأكيدها الراسخ على أن بسط السيادة الوطنية على عموم الأراضي اليمنية ومياهها الإقليمية، بما فيها مضيق باب المندب والبحر الأحمر، هو حق دستوري وقانوني لا تقبل المساومة ولا التنازل عنه. وإن الانتقادات والاحتجاجات الغربية المنددة بالعمليات اليمنية لحماية الملاحة أو فرض معادلات الردع -في إطار معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس إسناداً لغزة- إنما تعبر عن جهل مطبق بالأعراف والقوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة التي تكفل للدول الشاطئية حماية أمنها القومي وبحارها الإقليمية.
وحمّلت صنعاء النظام السعودي وداعميه المسؤولية الكاملة عن عسكرة البحر الأحمر ومضيق باب المندب وتحويلهما إلى مسرح عمليات عسكرية، مما ألحق الأضرار الجسيمة بحركة التجارة العالمية والملاحة الدولية. فالتهديد الحقيقي لأمن الملاحة لا ينبع من موقف صنعاء السيادي الحامي لمياهها والمساند للشعب الفلسطيني، بل من العدوان السافر والممارسات الاستعمارية التي تقودها واشنطن وتلوكها الرياض في محاولة للسيطرة الجيوسياسية على أحد أهم الممرات المائية في العالم.
فنّد البيان بوضوح خطورة التوصيفات المزيفة التي يعتمدها بعض الأطراف الإقليمية والدولية لوصف الأحداث الجارية في اليمن على أنها “حرب داخلية” أو نزاع أهلي عابر. وتتلاشى هذه السردية المفبركة أمام هول الأعمال العسكرية العدائية المباشرة التي تقودها طائرات وصواريخ العدو السعودي وحلفائه منذ السادس والعشرين من مارس 2015 وحتى اللحظة الراهنة. إن هذا التوصيف الكاذب يهدف إلى إعفاء المعتدي الحقيقي من المسؤولية الجنائية الدولية وتفريغ القضية اليمنية من مضمونها السيادي والتحرري.
كما سلطت الخارجية الضوء على خلفيات الخطاب الاستعماري المتجدد الذي يمنح شرعية وهمية لزمرة من المرتزقة والعملاء المرتهنين للخارج لفرضهم على أربعين مليون يمني ترفض كل أشكال الوصاية والتبعية. وتؤكد هذه المنهجية الاستعمارية إصرار قوى الهيمنة العالمية على مصادرة إرادة الشعوب وفرض حكومات كرتونية تخدم مصالح واشنطن وتل أبيب في المنطقة، متجاوزة كافة مبادئ ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بالسيادة واستقلال الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
ولا شك أن هذه المحاولات الفاشلة لشرعنة الاحتلال والوصاية تتقاطع كلياً مع المخططات الصهيونية الرامية إلى تمزيق الجغرافيا العربية واليمنية، بغية إضعاف دورها التاريخي في نصرة قضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. لقد أثبت الشعب اليمني، من خلال صموده وموقفه المبدئي، أن ارتباطه بقضايا أمته الكبرى لا ينفصل عن معركته المصيرية ضد تحالف العدوان، مؤكداً سقوط كل الرهانات الخارجية في إخضاع القرار الوطني المستقل لصنعاء.
تخلص صنعاء في ختام موقفها الرسمي إلى أن السبيل الوحيد لإحلال السلام العادل والمستدام يمر حصراً عبر إلزام العدو السعودي بوقف كافة أنشطته العدائية ورفع الحصار الشامل دون قيد أو شرط. إن إنهاء المأساوية الإنسانية في اليمن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتعامل وفق مبدأ حسن الجوار والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية، بعيداً عن أوهام الهيمنة وفرض الإملاءات الخارجية التي كسرتها صلابة الشعب اليمني وجيشه الباسل.
وعليه، فإن أي محاولات التفافية أو قفز على هذه الثوابت الوطنية لن تؤدي إلا إلى مزيد من الإصرار على مواصلة معركة التحرر والسيادة والوفاء لدمار الأحرار وغزة الأبية. وإن صنعاء، وهي تقف في خندق الدفاع عن الحق والكرامة، ماضية بثبات في حماية مقدراتها ومياهها الإقليمية، مجددة التأكيد لكل العقلاء في العالم بأن باب الحل حقيقي وواضح، وأن استمرار التعنت لن يزيد الشعب اليمني إلا صموداً وبأساً حتى تحقيق النصر المؤزر.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر
التعليقات مغلقة.