{وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}، تمر بنا ذكرى استشهاد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله -رضوان الله عليه- مع أن شهادته لا تطفئ النور الذي وهبه الله، ولا توقف مسيرة الجهاد الذي فرضه الله، كيف والحق سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفى‏ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّـهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.

لقد ارتقى هذا القائد شهيداً مغدوراً به من قبل كيان العدو الصهيوني؛ فنال بها مكاناً رفيعاً، وترك للبنان وفلسطين والأمة الإسلامية ذكراً جميلاً وإرثاً نضالياً راسخاً؛ فالشهادة شرفها كبير؛ لأنها تعني الحياة الدائمة، والعزة والكرامة والخلود، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.

أَمَا وَالَّذِي أَجْرَى بِقُدْرَتِهِ النَّبْعَا ** وَأَنْزَلَ مِنْ صَوْبِ السَّحَابِ لَنَا نَفْعَا

لَقَدْ جَلَّ قَدْرُك بالشهادةِ فِي المَلَا ** وَأَشْرَقَ نُورُ الذِّكْرِ فِي أَرْضِنَا جَمْعَا

هَنِيئاً لَكَ العُمْرُ الَّذِي طَابَ ذِكْرُهُ ** وَفُزْتَ بِهِ فِي العَالَمِينَ بِمَا تَسْعَى

فَسَارَتْ بِكَ الأَيَّامُ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ ** مَضَتْ فِي جِهَادِ الكُفْرِ فِي ذَلِكَ المَسْعَى

رَحَلْتَ وَلَكِنْ لَمْ تَرَحَلْ مَكَارِمك التي ** مَلَأْتَ بِهَا الدُّنْيَا من المجد ما أوعى

أَمَا وَالَّذِي أَجْرَى المَقَادِيرَ بِالهُدَى ** وَأَحْصَى عَلَى العَبْدِ الخَفِيَّ بِمَا يَسْعَى

وَأَوْدَعَ فِي الأَرْوَاحِ سِرَّ بَقَائِهَا ** وَأَرْفَدَهَا بَعْدَ المَمَاتِ بِهِ نَفْعَا

فَكَمْ مِنْ يَدٍ أَوْلَيْتَهَا فَضْلَ نِعْمَةٍ ** وَكَمْ مِنْ فُؤَادٍ بِالجَمِيلِ لَكُمْ يَرْعَى

فَيَسْأَلُ رَبَّ العَرْشِ جَزَاءَ جِهَادِكُمْ ** وَيَنْتَزِعُ الأَقْصَى مِنَ الكُفْرِ الذي يُنْعَى

وَأَنْ يَجْعَلَ الفِرْدَوْسَ دَاراً وَمَوْطِناً ** لَكُمْ سَيِّدَ السَّادَاتِ فِي الخُلْدِ إِذْ تُدْعَى

فَخَيْرُ الفَتَى مَنْ عَاشَ بِالخَيْرِ ذِكْرُهُ ** وَمَاتَ وَطِيبُ الذِّكْرِ قَدْ لَطَفَ السَّمْعَا

وَأَزْكَى صَلَاةِ اللهِ ثُمَّ سَلَامُهُ ** عَلَى المُصْطَفَى خَيْرِ الوَرَى كله جَمْعَا

تفنيد أوهام “حسم المعركة” بسقوط القادة:

حين أقدم كيان الاحتلال الصهيوني على اغتيال الشهيد أملت دوائر القرار في (تل أبيب) وواشنطن أن تؤدي الصدمة إلى تفكيك الهيكلية القيادية للمقاومة، وشل قدرتها على المبادرة الميدانية، واستثمار ذلك لتمرير مشاريع الاستسلام وفرض معادلات جديدة في المنطقة، غير أن هذه الرهانات أثبتت جهلها بطبيعة حركة المقاومة كمنظومة مؤسسية عقائدية لا ترتبط وجوداً وعدماً بأشخاص القادة، مهما بلغت حظوتهم ورمزيتهم.

إن التاريخ المعاصر يثبت أن استهداف القيادات التاريخية لم يحقق يوماً حسماً استراتيجياً لصالح الاحتلال؛ فقد اغتيل الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والعباس الموسوي، وعماد مغنية، وإسماعيل هنية، وقاسم سليماني وغيرهم من ساسة الأمة وقادتها، ولم تزدد المقاومة بعدهم إلا انتشاراً وتطوراً في التكتيك التسليحي والميداني، واليوم، يكشف الواقع أن حزب الله تجاوز صدمة الغياب عبر تراتيبة تنظيمية متماسكة وقادرة على إدارة العمليات الدفاعية والهجومية بنفس الكفاءة والسرعة.

البُعد الميداني وتماسك “وحدة الساحات”:

على الصعيد الميداني، لم تتوقف عمليات المقاومة، فقد واصلت التصدّي للتوغل البري وإدارة رشقات الصواريخ والمسيرات نحو عمق الاحتلال، مما أثبت استمرارية قيادة الميدان والسيطرة المباشرة على الأسلحة والمحاور.

ولم تنجح عملية الاغتيال في عزل جبهة لبنان عن محيطها، بل عززت مفهوم “وحدة الساحات” والتكامل بين أطراف محور المقاومة. إذ يساند أحرار الأمة في اليمن، والجمهورية الإسلامية في إيران، والمقاومة في العراق، التكتيك الميداني لحزب الله، مشكلين طوقاً استراتيجياً يُعطل مساعي الاحتلال للاستفراد بأي جبهة على حدة.

يَا قُدْسُ إِنَّا لِلْعُلَى أَحْرَارُ ** وَبِعَزْمِنَا تَتَكَسَّرُ الأَسْوَارُ

لَنْ نَسْتَكِينَ لِظَالِمٍ مُتَجَبِّرٍ ** فَالحَقُّ فِينَا قَاهِرٌ جَبَّارُ

سَيْفُ الكَرَامَةِ فِي الأَكُفِّ مُشَهَّرٌ ** وَالعَهْدُ بَيْنَ ضُلُوعِنَا قَهَّارُ

فِينَا عَلَى دَرْبِ الثَّبَاتِ عَزَائِمٌ ** لَنْ يَثْنِهَا خَوْفٌ ولا أَخْطَارُ

سَنَفُكُّ قَيْدَ القُدْسِ رَغْمَ عداتنا ** فَالعَزْمُ نَارٌ فِي القُلُوبِ تُثَارُ

مَا دَامَ فِينَا لِلْكَرَامَةِ نَبْضَةٌ ** فَلَنَا عَلَى دَرْبِ الإِبَاءِ مَسَارُ

قَوْمٌ إِذَا نَادَى المُنَادِي لِلْعُلَى ** لَبَّوُا النِّدَاءَ وَلِلْمَعَارِكِ طَارُوا

حَتَّى وَإِنْ ضَاقَ الطَّرِيقُ فَإِنَّنَا ** نَلْقَى المَشَاقَّ بِعِزَّةٍ أَبْرَارُ

البُعد التاريخي والعقائدي للاستشهاد:

إن استشهاد القادة ليس بدعاً في تاريخ هذه الأمة؛ فهذا الإمام علي -عليه السلام- قُتل شهيداً مغدوراً به، فما زاد ذلك الأمة الإسلامية وأحفاده وشيعته إلا قوة وعزيمة، وهذا الإمام الحسين -عليه السلام- لم يزد استشهاده أتباعه إلا عزة وتماسكاً على مر العصور، ولقد عانقت روح السيد حسن نصر الله أرواح المهاجرين والأنصار وأرواح المجاهدين في كل زمان ومكان.

فالإسلام دين يلامس أوتار القلوب، يغذيها برحيق الإيمان، ويمدها بالعزة والكرامة والتشوق للجهاد دفاعاً عن الحق والأرض، وهو الذي يصنع البطولات التي تأنف الظلم وتشيد بناء العدالة، وها هو حزب الله اليوم يتخطى العقبات ويظهر للبشرية عزيمته وقدرته على استعادة زمام المبادرة؛ فيظهر للبشرية عزيمته وقوته وقدرته على هزيمة الصهيونية.

ويقف محور الجهاد والمقاومة وأحرار الأمة في يمن الإيمان والحكمة بقيادة قائد المسيرة القرآنية السيد العلم عبدالملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- إلى جانب المجاهدين في حزب الله ليشدوا عزيمتهم، ويشدوا من أزرهم.

أمّا مَن حاد عن هذا الطريق مُوادّاً للصهيونية التي تظلم الشعب الفلسطيني فقد حادّ الله ورسوله، وصدق الله العظيم حيث يقول: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّـهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وقال جل في علاه: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.