تغطية العجز بالدمار: السعودية تُداري هزيمتها الميدانية بالبطش بالأعيان المدنية والإجهاز على مقومات الحياة
صنعاء سيتي | تقرير
تُثبت القراءة العملياتية التراكمية لمسار الغارات الجوية التي يشنها العدو السعودي انتقالاً استراتيجياً مكشوفاً نحو تفعيل عقيدة «الضغط غير المتناظر»؛ حيث يلجأ النظام السعودي إلى استهداف العقد السكانية وشبكات الربط الجغرافي كوسيلة مباشرة لرفع كلفة الصمود الشعبي وإحداث شلل اقتصادي شامل. هذا التكتيك لا ينفصل عن مأزق الفشل العسكري الميداني للرياض، بل يمثل محاولة لإعادة إنتاج أدوات الإخضاع الجماعي عبر تفكيك البيئة المعيشية للمجتمع اليمني، وتحويل الأعيان المدنية من مرافق لخدمة المواطنين إلى أدوات ضغط تفاوضي وابتزاز سياسي مفلس.
إن تعمد استهداف الأصول الخدمية والبنى الحيوية يندرج ضمن هندسة تجويع مدروسة تتكامل مع مسار الحصار الشامل المفروض على المنافذ البرية والبحرية والجوية منذ عام 2015. ومن منظور القانون الدولي الإنساني، يُشكل هذا السلوك إخلالاً متعمداً بمبدأي «التمييز والتناسب»؛ حيث يُصنف توجيه الهجمات المباشرة ضد منشآت مدنية لا توفر أي ميزة عسكرية ملموسة انتهاكاً جسيماً للمادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يجرد العدو السعودي من أي ذرائع عملياتية ويثبت أركان جرائم حرب واعتداءات ممنهجة لا تسقط بالتقادم، في ظل تواطؤ أممي فاضح يعطل آليات العدالة الدولية.
تُعد المجزرة التي ارتكبها طيران العدو السعودي باستهداف المحلات التجارية في سوق تعز المركزي بمنطقة مفرق ماوية بمديرية التعزية دليلاً قطعياً على تعمد إيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية؛ إذ باغتت الصواريخ المتسوقين في ذروة النشاط التجاري لترتقي حصيلة الضحايا إلى 7 شهداء و40 جريحاً في حصيلة أولية. يكتسب مفرق ماوية أهمية جيواقتصادية استثنائية كونه يمثل رئة المعاملات اليومية ونقطة التقاء تجارية تربط الحوبان بضواحي المدينة، إلى جانب تركز المرافق الصحية والمجمعات القضائية والتعليمية فيه، ما ينفي بشكل قاطع فرضية الخطأ الإحداثي ويثبت القصد الجنائي المباشر للعدو.
يعيد هذا الاستهداف تكرار نمط العمليات القاتلة التي اعتمدها طيران العدو السعودي طوال سنوات حربه ضد الأسواق المفتوحة، على غرار مجازر سوق مستبأ بحجة وسوق آل الشيخ بصعدة وسوق الهنود بالحديدة. وتكشف المعطيات أن استخدام قنابل ذات قدرة تدميرية وتشظٍّ واسعة داخل أسواق شعبية مكتظة يستهدف نسف الدورة الاقتصادية اليومية لصغار الكسبة والباعة المتجولين، ونشر الذعر لتعطيل المظاهر الحياتية التي تؤمن تدفق السلع للمواطنين المحاصرين، وهو ما يُسقط أي مسوغات عسكرية تدعيها غرف العمليات المعادية.
تؤكد تقارير فرع الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بتعز أن تعمد ضرب هذه النقطة المزدحمة يمثل خرقاً فاضحاً للمادة 51 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف المعنية بحماية السكان المدنيين من الهجمات العشوائية، وجريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان. هذا السلوك يبرهن على تجرد القيادة العسكرية للعدو السعودي من أي انضباط لقواعد الاشتباك، وتكريسها لعقيدة الصدمة لإحداث شرخ مجتمعي كبديل عن عجزها في تحقيق أي مكاسب ميدانية في جبهات المواجهة، مستفيدة من الحصانة غير المعلنة التي توفرها المنظومات الغربية للجلاد.
-
استشهاد 7 مدنيين وإصابة 40 آخرين في حصيلة أولية لاستهداف المحلات التجارية.
-
توجيه ضربات دقيقة لمركز اقتصادي وقضائي حيوي مكتظ بالمتسوقين والمارة.
-
تدمير واسع للأعيان المدنية وممتلكات المواطنين والبنية التجارية في السوق.
-
تصنيف الهيئة الوطنية للحقوق الحادثة كجريمة حرب متكاملة الأركان الجنائية.
تتكامل سياسة القتل الفوري مع استراتيجية «التقطيع اللوجستي» التي نفذها طيران العدو السعودي باستهداف جسر الدليل بمديرية المخادر، بالتزامن مع قصف الخط الرئيسي في نقيل الشق – باب البرح بمنطقة الشِعر في محافظة إب. يمثل هذا المحور عقدة النقل المركزية وشريان الربط الوحيد المتبقي لتدفق البضائع والمساعدات الإنسانية بين المحافظات الوسطى والمرتفعات الشمالية؛ ما يعني أن تعطيل هذا الممر يُجبر شاحنات النقل الثقيل على سلوك مسالك ترابية وجبلية شديدة الوعورة، الأمر الذي يضاعف مسافات النقل وزمن الرحلات بنحو 6 إلى 8 ساعات ويزيد استهلاك الوقود وأجور الشحن بنسب تتجاوز 40%، وهو فارق يتحمله المستهلك النهائي مباشرة.
يعيد قصف جسر الدليل إنتاج عقيدة عزل المدن وتجزئة الجغرافيا اليمنية، وهي السياسة التي دشنها العدو السعودي باستهداف جسور عقبة مناخة ونقيل فرضة نهم ونقيل يسلح في بدايات العدوان؛ بهدف فرض حصار داخلي موازٍ للحصار البحري والجوي. يهدف المخطط العسكري للرياض إلى قطع سلاسل التوريد المحلية وإلغاء مرونة الحركة التجارية بين ميناء الحديدة ومناطق الكثافة السكانية، ما يؤدي إلى شلل في توزيع المواد الإغاثية وتعطيل إخلاء الحالات الطبية الحرجة، محولاً وعورة التضاريس إلى سلاح عقاب إضافي ضد المدنيين في انتهاك صارخ لاتفاقيات لاهاي التي تجرم استهداف خطوط المواصلات المدنية ذات النفع العام.
تُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة النقل والأشغال العامة الأبعاد الكارثية لهذه الاستراتيجية الممنهجة؛ حيث دمر طيران العدو أكثر من 100 جسر حيوي وما يزيد عن 8,185 كيلومتراً من شبكة الطرق القومية، مسبباً خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة تجاوزت مليارين و100 مليون دولار. هذه الخسائر الفادحة تفوق القدرات التمويلية للقطاع العام وتؤكد أن استهداف الجسور ليس ضرورة عسكرية طارئة، بل خطة تدمير بنيوي استباقية ينفذها العدو السعودي لنسف أصول الدولة التحتية وشل قدرتها على إدارة التعافي الاقتصادي، بينما تغض المنظمات الدولية الطرف عن هذه الخروقات الجسيمة بحق المنشآت الحيوية.
امتدت الغارات التدميرية لتطال عزلة الأحكوم بمديرية حيفان في تعز، حيث ركزت مقاتلات العدو السعودي ضرباتها على مشروع مياه منطقة الأكبوش وشبكة الاتصالات المحلية. يحمل قصف خزان مياه يغذي بيئة جبلية ريفية وعرة دلالة واضحة على تعمد تجفيف مقومات الحياة الأساسية، ودفع السكان نحو استهلاك مياه غير صالحة أو إنفاق مدخراتهم الشحيحة على وايتات المياه بأسعار باهظة؛ الأمر الذي يشكل انتهاكاً صارخاً للمادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، والتي تحظر بشكل قاطع مهاجمة أو تدمير أو تعطيل الأعيان والمرافق التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة تحت أي ذريعة.
يوثق مركز عين الإنسانية للحقوق والتنمية أن ضرب شبكات الاتصالات بالتوازي مع مرافق المياه يهدف إلى فرض عتمة إخبارية وإسقاط قدرة المواطنين على التواصل، فضلاً عن شل منظومة الاستجابة الإسعافية للفرق الطبية والخدمية أثناء الكوارث. هذه الممارسة تمثل شكلاً من أشكال الحرب البيئية والخدمية التي يشنها العدو السعودي لإفقاد الأرياف مقومات الاستقرار، وإجبار قاطنيها على النزوح القسري، وتحميل مؤسسات الدولة أعباء إنسانية مركبة في ظل شح الموارد الناتج عن الحرب المالية والاقتصادية، وسط عجز أممي مريب عن إدانة استهداف الخدمات الأساسية المشمولة بالحماية المقررة دولياً.
-
تدمير مشروع مياه الأكبوش لإيقاف الإمداد المائي النظيف عن آلاف المواطنين.
-
إسقاط شبكات الاتصالات لعزل العزلة جغرافياً وتعطيل جهود الإسعاف والطوارئ.
-
انتهاك صريح للمادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول بشأن حماية أعيان البقاء.
-
إفشال استقرار المجتمعات الريفية عبر افتعال أزمات تموين بيئية وصحية مركبة.
شكّل استهداف طيران العدو السعودي لمحطة وقود مخصصة لقوارب الصيادين في جزيرة كمران بمحافظة الحديدة فصلاً متقدماً في استراتيجية استهداف القطاعات الإنتاجية المحلية؛ فالمنشأة تمثل الشريان التشغيلي الوحيد لنحو 90% من قوارب الصيد التقليدي في الجزيرة. إن ضرب نقطة الإمداد هذه ليس مجرد إتلاف لمخزون مشتقات نفطية، بل هو ضربة موجهة لمؤشر الأمن الغذائي ولقوت مئات الأسر الساحلية التي تعتمد كلياً على الصيد الحرفي لكسب معيشتها، ما يهدد بوقف قسري لنشاط الصيد ويدفع هذه الشريحة إلى حافة المجاعة الحادة وفق معايير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC).
يوثق اتحاد ملاك المحطات البترولية الأهلية أن قصف محطة كمران يرفع الحصيلة التراكمية للمنشآت والمحطات النفطية التي استهدفها العدو السعودي إلى 569 محطة منذ مارس 2015؛ وهي إحصائية تكشف عن هندسة ممنهجة لتجفيف شريان الطاقة المحلي. وتاريخياً، تركزت اعتداءات العدو على البنى التحتية للمشتقات النفطية—بدءاً من منشآت رأس عيسى وموانئ التفريغ في الحديدة والمخا وصولاً إلى محطات التوزيع الريفية—بهدف خلق اختناقات تموينية تشل قطاعات الزراعة، والري، والنقل، والصيد، ورفع تكاليف الإنتاج المحلي إلى مستويات تعجيزية تنهك كاهل المواطن المحاصر.
تندرج هذه الجريمة ضمن مساعي العدو السعودي لإفراغ الجزر والمناطق الساحلية الاستراتيجية من نشاطها السكاني والاقتصادي عبر قطع مصادر العيش، بالتزامن مع أعمال القرصنة البحرية واحتجاز سفن الوقود في عرض البحر. وبذلك يتحول ملف استهداف الوقود والصيادين إلى أداة حصار بحري غير قانونية تصنفها المادة 8 من نظام روما كجريمة تجويع ممنهجة واستخدام للحرمان الاقتصادي كوسيلة حرب، وهو ما يضع النظام السعودي تحت طائلة المسؤولية الجنائية الدولية المباشرة عن جرائم الإبادة الاقتصادية وتدمير مصادر عيش الفئات الأكثر هشاشة.
تؤكد هذه الوقائع التراكمية أن لجوء النظام السعودي إلى استهداف الأسواق المزدحمة، ومحطات الوقود، وشبكات المياه، والجسور الحيوية هو التعبير الأوضح عن وصول استراتيجيته العسكرية إلى طريق مسدود؛ فالسنوات الطويلة من التدمير الممنهج لم تفلح في كسر التماسك المجتمعي أو تعديل الموازين العسكرية في الميدان. إن تحويل الأعيان المدنية إلى بنك أهداف رئيسي يفضح إفلاس غرفة عمليات العدو وسقوط مبرراتها أمام صمود مؤسسات الدولة والشعب اليمني، كما يسقط في الوقت ذاته ورقة التوت عما يُسمى بالمجتمع الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، التي اختارت التواطؤ بالصمت والارتهان للمال النفطي المدنس بدلاً من تفعيل القرارات الدولية ومحاسبة مجرمي الحرب.
أمام هذا الإمعان في ضرب مقدرات الحياة وهذا الخذلان الدولي المتعمد، تدرك صنعاء أن الرهان على المؤسسات الدولية ليس سوى مضيعة للوقت ومشاركة في شرعنة القتل، وأن حماية أمن المواطنين والأعيان المدنية تستدعي تفعيل الحق السيادي والتاريخي المشروع في فرض معادلات الردع العسكري النوعي. إن المنشآت الحيوية وعقد الطاقة والممرات الاقتصادية في عمق العدو السعودي لا يمكن أن تظل محصنة في وقت تُستباح فيه دماء اليمنيين وجسورهم ومصادر رزقهم؛ فدماء ضحايا سوق ماوية وحطام جسر الدليل ومحطة كمران ترسم الاستحقاق العملياتي الحتمي لمعركة التحرر، مؤكدة أن تثبيت معادلة «المعاملة بالمثل» وقصف العمق بالعمق هو المسار الوحيد لكبح إجرام الرياض وفرض السيادة والعدالة الوطنية الناجزة.
*نقلاً عن موقع يمانيون
التعليقات مغلقة.