من الصفر التسليحي إلى الردع الإقليمي.. كيف أعادت 21 سبتمبر بناء قوة اليمن وكَسرت احتكار السماء والبحر؟
صنعاء سيتي | تقرير
شكّل يوم 21 سبتمبر 2014 نقطة انقطاع حاسمة مع حقبة التجريد الممنهج للقدرات الدفاعية اليمنية، والتي وثقتها محاضر إتلاف منظومات الدفاع الجوي المحمولة «سام 7» و«سام 9» بإشراف وفد عسكري واستخباري أمريكي برئاسة الملحق العسكري بصنعاء في معسكر الصباحة ومأرب بين عامي 2004 و2007، وتدمير 1263 صاروخاً دفاعياً عبر دفعات متتالية بهدف نزع مخالب السيادة الوطنية بالكامل. ومع تفجر الحرب في 26 مارس 2015 واستهداف القواعد ومخازن الأسلحة المركزية في نقم وعطان وقاعدة الديلمي بنسبة تدمير قاربت 85% من البنية التسليحية التقليدية، حدد قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي البوصلة مبكراً بقرار استراتيجي قاطع أعلنه في خطابات الصمود الأولى: تحويل الحصار إلى حاضنة للاكتفاء العسكري الذاتي تحت شعار «يد تبني.. ويد تحمي» الذي دشنه الشهيد الرئيس صالح الصماد.
عقب اثني عشر عاماً من هذا الصفر التسليحي، تكشف الخارطة العملياتية عن انتقال هيكلي نقل القوات المسلحة من استنزاف ذخائر البنادق الفردية وإصلاح المدافع المتقادمة إلى امتلاك ترسانة صواريخ فرط صوتية ومسيرات استراتيجية ومنظومات دفاع جوي وبحري قلبت موازين المعركة. هذا التحول لم يكن تدبيراً ظرفياً أملته ضرورات الدفاع، بل ثمرة عقيدة إيمانية وهندسية محصنة أمنياً أحبطت مخططات شبكات التجسس التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، والتي اعترفت باستهدافها الممنهج لوقف برامج التطوير دون جدوى، لتتحول الجغرافيا اليمنية من مسرح مستباح إلى قاعدة ردع إقليمية تفرض معادلاتها في عمق الأراضي المحتلة والممرات المائية الدولية.
*تأسيس الصفر وكسر الحصار
انطلقت المرحلة التأسيسية بتجميع وتأهيل مخزونات الذخائر وتطوير القناصات محلياً (مثل «صارم» عيار 8 ملم، و«قاصم» عيار 30 ملم)، لسد الفجوة النارية في جبهات المواجهة البرية. وتحت إشراف دائرة التصنيع العسكري، نجحت الكوادر الهندسية والفنية الوطنية في تفكيك صواريخ الدفاع الجوي السوفيتية المتبقية من طراز «فولغا – سام 2»، وتعديل صمامات الدفع ونظم الملاحة لتحويلها إلى صواريخ أرض-أرض تكتيكية، أُعلن عنها رسمياً تحت اسم «قاهر 1» في ديسمبر 2015 بمدى 250 كم، تلاها «قاهر M2» برأس حربي وزنه 350 كجم، لتدشين أولى محطات الرد الصاروخي المنظم تحت القصف المتواصل.
تزامن هذا الجهد مع التغلب على الحظر التقني الصارم عبر توطين خطوط إنتاج بديلة للمواد الاستراتيجية، حيث استُبدلت المعادن المستوردة في أبدان المسيرات والزوارق بمركبات الكربون والألياف الزجاجية المحلية لتقليص الوزن والحد من البصمة الرادارية. كما جرى بناء ورش سرية مطمورة تحت الأرض لصهر المعادن وإعادة تشكيلها، وبرمجة شرائح التوجيه الرقمي ووحدات الجيروسكوب عبر فرق برمجة يمنية، وتأسيس شبكة واسعة من صوامع الإطلاق والأنفاق التحت-أرضية المعزولة عن منظومات الرصد الحراري للأقمار الاصطناعية وطائرات التجسس، والتي سقط في سبيل تحصينها وإدارتها خيرة المهندسين والخبراء العسكريين كشهداء في ميدان التصنيع.
بلغ التحول ذروته التأسيسية بإطلاق منظومة صواريخ «زلزال» (1 و2 و3) لتوفير تغطية مدفعية صاروخية غزيرة ورخيصة التكلفة، تلاها إدخال منظومة «بركان 1» المعدلة عن صواريخ «سكود» بمدى تجاوز 800 كم في أكتوبر 2016 لضرب أهداف استراتيجية في جدة، ثم «بركان 2H» في يوليو 2017 مستهدفاً مصافي ينبع النفطية وعاصمة التحالف، مما رسخ كسر الاحتكار الناري وفرض أولى قواعد الردع العميق خارج الحدود الجغرافية للجمهورية اليمنية.
-
تدمير 1263 صاروخ دفاع جوي قبل الثورة بإشراف عسكري أمريكي مباشر.
-
تحوير صواريخ «سام 2» الدفاعية المتقادمة إلى صواريخ «قاهر» الباليستية التكتيكية.
-
تأسيس ورش تعدين ومنصات إطلاق مطمورة في التضاريس الجبلية لتفادي الرصد الجوي.
-
إفشال اختراقات شبكات التجسس التابعة لأجهزة الاستخبارات الغربية الهادفة لتعطيل خطوط الإنتاج.
*تفوق المسيرات وتطوير الباليستي
دشنت صنعاء برنامج الطيران المسير رسمياً في فبراير 2017 بإعلان معرض الشهيد الصماد عن أربعة طرز تكتيكية («هدهد 1»، «راصد»، «رقيب»، و«قاصف 1» الهجومية بمدى 150 كم)، قبل أن تشهد التكنولوجيا قفزة حاسمة في 2019 مع طراز «قاصف 2K» ذات الرأس المتشظي رأسياً على ارتفاع 20 متراً من الهدف. وسرعان ما دخلت الخدمة عائلة «صماد» بمحركات احتراق داخلي خفيفة وتصميم انسيابي يتيح التحليق المنخفض لتفادي رادارات الكشف السطحي، وتجاوز مداها 1500 كم في «صماد 3»، ثم «صماد 4» و«وعيد 2» برؤوس متفجرة تتجاوز 40 كجم ومديات تصل إلى 2500 كم، والتي نفذت عمليات استهداف مفاصل الطاقة الحيوية في عمق الخصوم عام 2019.
على المسار الصاروخي، أحدثت دائرة القوة الصاروخية قطيعة تامة مع تكنولوجيا الوقود السائل ذات التعقيد اللوجستي، وطوّرت تركيبة محلية للوقود الصلب المركب أثمرت سلسلة صواريخ «بدر» التكتيكية في 2018 («بدر 1P» الموجه بنظام الملاحة الذاتية ونسبة خطأ دائري CEP تقل عن 3 أمتار). تطور هذا المسار سريعاً إلى صواريخ «نكال» و«سعير» و«قاصم»، وصولاً إلى منظومات المدى المتوسط والبعيد مثل «ذو الفقار» وصواريخ «قدس» المجنحة (بأجيالها 1 و2 و3 و4) العاملة بمحركات توربينية مدمجة وقدرة على المناورة بمحاذاة التضاريس الأرضية المعقدة، متجاوزةً أحزمة الرادار لمنظومات «باتريوت PAC-3».
أظهرت البيانات الميدانية والعملياتية عجز منظومات «باتريوت» و«ثاد» عن إحباط الهجمات المركبة (Salvo Attacks) التي تدمج المسيرات الانتحارية والصواريخ الباليستية والمجنحة في وقت متزامن ومن زوايا متعددة. كشفت هذه الضربات عن فجوة كلفة استراتيجية فادحة؛ إذ استُنزفت صواريخ اعتراض غربية تصل تكلفة الواحد منها إلى 4 ملايين دولار لمحاولة إسقاط مسيرات وصواريخ محلية الصنع كلفة إنتاجها لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات، محطمةً بذلك جدوى الترسانات الدفاعية الأكثر تكلفة على مستوى العالم.
*إسقاط السيادة وسحق الاستطلاع
شكّل مسار إعادة بناء الدفاع الجوي الركيزة المباشرة لرد الاعتبار للسيادة الوطنية؛ فمن تحت ركام «سام 7»، ابتكرت الكوادر الهندسية منظومات اعتراض أرض-جو نوعية اعتمدت على توجيه صواريخ جو-جو المتبقية في المخازن وتحويرها للعمل من منصات أرضية حرارية وكهروبصرية، مما أثمر دخول منظومات «فاطر 1» الخدمة عام 2017 لمطاردة مقاتلات «F-15» و«F-16» وإخراجها من مسرح العمليات بارتفاعات تكتيكية متوسطة.
توج هذا المسار بإنتاج الصواريخ التكتيكية الموجهة («ثاقب 1 و2 و3» ومنظومة «صقر 1» و«معراج»)، التي حققت نقطة تحول استراتيجية في تاريخ الطيران المسير العسكري بإسقاط أكثر من عشرين طائرة استطلاع مقاتلة أمريكية من طراز «MQ-9 Reaper» التي تتجاوز قيمة الواحدة منها 30 مليون دولار. وقد وثق الإعلام الحربي بالصوت والصورة لحظات إصابة وتدمير هذه الطائرات بأحدث الصواريخ اليمنية في أجواء محافظات صعدة، ومأرب، والبيضاء، والحديدة، وشبوة، مما جرّد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) من أهم أذرعها الاستخبارية وحوّل سماء اليمن إلى منطقة حظر عملياتي عجزت فيه التكنولوجيا الأمريكية عن تأمين نفسها.
-
إسقاط أكثر من 20 طائرة أمريكية استراتيجية مقاتلة من طراز «MQ-9 Reaper» بصواريخ محلية الصنع.
-
تطوير منظومات الدفاع الجوي («فاطر»، و«ثاقب»، و«صقر») لتعمل بوسائط رصد كهروبصرية سلبية غير قابلة للتشويش.
-
إنهاء مرحلة الوصاية الأمريكية على الأجواء اليمنية التي تم تكريسها قبل ثورة 21 سبتمبر.
-
فرض حظر جوي فوق قطاعات واسعة ومنع طيران الاستطلاع الغربي من تنفيذ مهام التجسس والتوجيه.
*هندسة المعركة البحرية المتكاملة
انتقلت المواجهة إلى المسرح البحري بإرساء منظومة دفاع ساحلي هجينة، جمعت بين الصواريخ الباليستية المضادة للسفن (ASBM) والصواريخ الجوالة، وبين زوارق السطح الانتحارية المسيّرة من طراز «طوفان 1 و2 و3» المزودة برؤوس تفجيرية شديدة الانفجار تتراوح بين 150 و500 كجم وتتحرك بسرعة تصل إلى 35 عقدة بحرية. وباتفاق تقارير «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)» والبنتاغون، تعد صنعاء الطرف الأول عسكرياً في تاريخ النزاعات المعاصرة الذي ينجح في توظيف صواريخ باليستية برؤوس توجيه رادارية وكهروبصرية لاستهداف سفن ومتحركات بحرية تسير في عرض البحرين الأحمر والعربي والمحيط الهندي.
أحكمت القوات المسلحة السيطرة النارية على مضيق باب المندب عبر حزمة تسليحية تشمل صواريخ «مندب 1 و2»، و«تنكيل»، و«محيط»، و«سجيل»، مدعومة بشبكة رصد كهروبصرية ومسيرات استطلاع بحري لتحديد الأهداف المخالفة لقرار الحظر المفروض على الملاحة المتجهة إلى موانئ الاحتلال الإسرائيلي. أسفر هذا التنسيق التكاملي عن إصابة وإغراق سفن تجارية مرتبطة بالكيان الغاصب (مثل «روبي مار» و«توتور»)، واستهداف مباشر للمدمرات الحربية الغربية الحامية للمسار، مما دفع بحاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس دوايت دي أيزنهاور» ومجموعتها القتالية الضاربة إلى الانسحاب القسري من البحر الأحمر ومغادرة المنطقة في يونيو 2024 بعد استهدافها بسلسلة ضربات مركبة أربكت خطط الانتشار البحري لواشنطن.
*حصانة الصاروخ الفرط صوتي
مثّل تاريخ 15 سبتمبر 2024 قمة النضج التكنولوجي لدائرة التصنيع العسكري اليمنية بإطلاق صاروخ «فلسطين 2» الفرط صوتي مستهدفاً هدفاً عسكرياً حيوياً في عمق يافا المحتلة («تل أبيب») بمدى تجاوز 2040 كم وخلال زمن وصول ناهز 11 دقيقة ونصف. يعمل الصاروخ بمحرك يعمل بالوقود الصلب المركب على مرحلتين، ويصل مداه الأقصى إلى 2150 كم بسرعة انقضاض تبلغ 16 ماخ، مما حيّد منصات التتبع والإنذار المبكر الموزعة في المنطقة وعطّل الاستجابة التلقائية لشبكات الدفاع الصاروخي المشتركة.
يكمن التفوق الهندسي للصاروخ في تزويده بـ مركبة انزلاقية فرط صوتية (HGV) ورأس حربي مناور ينفصل خارج الغلاف الجوي ويمتلك القدرة على تغيير مسار الهجوم بزوايا حادة أثناء الانقضاض، وهو ما يُبطل خوارزميات التنبؤ الراداري لمنظومات الاعتراض الطبقي الإسرائيلية والأمريكية («حيتس 3»، و«مقلاع داوود»، و«القبة الحديدية»، ونظام «إيجيس» المحمول على المدمرات). وقد أقرت قيادة سلاح الجو الإسرائيلي عبر تحقيقاتها الرسمية بعجز صواريخ «حيتس» عن اعتراض الرأس الحربي المنفصل لصاروخ «فلسطين 2»، حيث اصطدمت بشظايا البدن فقط بينما واصل الرأس المناور مساره بدقة حتى بلوغ هدفه.
أكد هذا الإنجاز تحول قدرات صنعاء من تطوير منظومات الحرب الباردة إلى ابتكار تقنيات ردع استراتيجي لا تمتلكها سوى دول عظمى معدودة على أصابع اليد الواحدة. وبدخول «فلسطين 2» مسرح العمليات، فرض اليمن معادلة ردع نهائية تمنح قيادته اليد الطولى في ضرب العمق الصهيوني، وتؤكد أن تراكم الخبرة الوطنية داخل الورش والأنفاق قد سبق المنظومات الدفاعية الغربية بأجيال تكنولوجية كاملة.
*مآلات الردع وأفق السيادة
تؤكد حصيلة اثني عشر عاماً من مسيرة ثورة 21 سبتمبر أن الترسانة العسكرية التي بنتها صنعاء لم تكن إنتاجاً ظرفياً أملته مقتضيات الحرب الدفاعية، بل استراتيجية دولة استعادت قرارها السياسي وحمت جغرافيتها بصلابة تصنيعية مستقلة تماماً. إن الانتقال من ركام بطاريات الدفاع الجوي المفجرة بالوصاية الأجنبية إلى منصات إطلاق الصواريخ الفرط صوتية يؤكد أن كسر الاحتكار التكنولوجي للقوى الكبرى أصبح حقيقة ميدانية مدفوعة بتلاحم الإرادة السياسية مع الكفاءات الوطنية المتخصصة.
يقف اليمن اليوم مرتكزاً على منظومة ردع ثلاثية الأبعاد برية وبحرية وجوية، حوّلت ثمار الثورة إلى مظلة سيادية فرضت خفض التصعيد وكسرت محاولات فرض الوصاية على ثروات البلاد وموانئها. ولم يعد هذا السلاح مجرد أداة لحماية الحدود الداخلية، بل أضحى ثقلاً استراتيجياً يُدار بقرار حر لمساندة قضايا الأمة وفي مقدمتها إسناد المقاومة الفلسطينية في «طوفان الأقصى»، مثبتاً أن صنعاء غدت مركز ثقل غير قابل للتجاوز في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
*نقلاً عن موقع 21 سبتمبر

التعليقات مغلقة.