فلسطين واختبار شرعية العالم.. حين تصبح القضية مرآة لأزمة المنظومة الدولية
صنعاء سيتي | متابعات
كشفت خطابات الزعماء والدبلوماسيين في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة عن مستويات غير مسبوقة من الصراحة في تشخيص تصدعات النظام الدولي، مسلطة الضوء في الوقت ذاته على العجز المزمن للمنظمة الأممية عن معالجة أزمات البشرية. وفي قلب هذا المشهد المأزوم، تبرز القضية الفلسطينية بوصفها الاختبار الأكثر حساسية ووضوحاً لمدى صلاحية وهيبة القانون الدولي.
عبّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في خطابه الوداعي قبيل انتهاء ولايته، عن عمق المأزق الأممي محذراً من عالم تتغول فيه القوة على القانون ومندداً بازدواجية المعايير.
وتجسد هذا التحذير بأقسى صورة في قطاع غزة؛ حيث أشار غوتيريش إلى أن حجم القتل والتدمير بلغ مستويات غير مسبوقة طوال سنوات عمله، محذراً من تفاقم مخاطر التطهير العرقي في ظل تصاعد العنف والتهجير وسياسات الاستيطان الإسرائيلية.
شهدت منصة الجمعية العامة خطابات حاسمة ووادرة عن قيادات عربية وعالمية، تجاوزت الدبلوماسية التقليدية إلى التسمية المباشرة للأشياء:
القطرية والأردنية: أكد أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أن «لا يستقيم حديث عن نظام دولي عادل ما دامت فلسطين نقطة عمياء فيه»، واصفاً ما جرى في غزة بأنه إبادة جماعية كاملة الأركان وغياب لنظام الأمن الجماعي.
من جانبه، حذر الملك الأردني عبد الله الثاني من وحدة الاستراتيجية الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، معتبرعاً إياها سياسة ممنهجة لدفع الفلسطينيين نحو الرحيل وقمع أي أمل لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
الموقف الأوروبي: وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون انتقادات حادة للفجوة بين خطابات السلام والواقع على الأرض، مستنکراً عجز العالم أمام مأساة غزة ووصفه المشهد بأنه «مخجل لنا جميعاً».
لم تعد فلسطين مجرد صراع إقليمي أو ملف إنساني عابر، بل تحولت إلى امتحان لشرعية النظام الدولي بكامله:
-
كشفت الأزمة عن هشاشة مجلس الأمن وعجز المؤسسات القضائية الدولية متى ما تعارضت قراراتها مع مصالح القوى الكبرى.
-
تحولت القضية الفلسطينية إلى المحور الأساسي في المطالبات الداعية إلى إصلاح هيكلية مجلس الأمن، وإنهاء تهميش القارة الإفريقية، والدفاع عن استقلالية العدالة الدولية.
في المقابل، تجلت المواجهة الحادة بين الإدارة الأمريكية وباقي دول العالم في مساعي الرئيس دونالد ترامب المحمومة للدفاع عن إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، عبر مطالبة الدول الأعضاء بالانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية.
هذا الموقف وضع واشنطن في صدام مباشر مع التوجه العالمي الواسع، الذي عبّرت عنه خطابات قطر والأردن وتركيا وفرنسا والبرازيل، مدافعين عن سيادة القانون والتعددية الدولية في مواجهة صلف سياسات نتنياهو.
خلاصة المشهد: لم تعد فلسطين مجرد بند على جدول أعمال الأمم المتحدة، بل أصبحت المرآة الحقيقية التي يكشف فيها العالم عن أزمة المنظومة الدولية، واختلال توازنات مجلس الأمن، والفجوة الساحقة بين نصوص القانون الدولي والقدرة الفعلية على تطبيقه وفرضه على أرض الواقع.
التعليقات مغلقة.