الكنوز الوراثية اليمنية.. درع السيادة الغذائية وثروة قومية تضاهي مقدرات الذهب والنفط

صنعاء سيتي | تقرير خاص

في خضم التغيرات المتسارعة التي تشهدها الأسواق العالمية وما يرافقها من اضطرابات هيكلية في سلاسل الإمداد الغذائي، تتكشف تدريجياً من أعماق الأرض اليمنية وفي أحضان بيئتها المتنوعة ثروة وراثية زراعية استثنائية، تُمثل في قيمتها الاستراتيجية والسيادية خط الدفاع الأول عن الأمن القومي والغذائي للبلاد.

وعلى هامش الفعاليات الحيوية لـ مهرجان “البلدة الطيبة” في صنعاء، توجت الجهود الوطنية بإعلان المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب عن إنجاز نوعي تمثل في تسجيل وحصر أكثر من 300 صنف محلي أصيل من القمح والحبوب والبقوليات، وهي أصناف تنطوي على هندسة وراثية طبيعية فريدة صاغتها وطورتها البيئة اليمنية العريقة وخبرات المزارعين المتراكمة عبر آلاف السنين.

رحلة التنقيب: استعادة الذاكرة الزراعية الوطنية

وفي تفاصيل هذا الإنجاز السيادي، أوضح المدير العام للمؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، صلاح المشرقي، أن حصر هذا الكم الهائل من الأصول الوراثية لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ثمرة لسنوات طويلة من العمل الميداني الشاق والدؤوب الذي انطلق منذ عام 2019.

وقد استهدفت الفرق الفنية الوصول إلى أقصى المناطق النائية والجبلية الوعرة في مختلف المحافظات، من أجل استعادة الذاكرة الزراعية الوطنية وإنقاذ البذور المحلية من خطر الانقراض.

وأكد المشرقي أن المؤسسة لا تقتصر جهودها على عملية الحصر فحسب، بل تعكف حالياً على خطوات استراتيجية متقدمة تتضمن:

  • إنشاء بنك وراثي وطني متخصص: يهدف إلى حفظ وتخزين هذه الأصول الجينية الفريدة وفق أحدث المعايير العلمية والتقنية لضمان ديمومتها للأجيال القادمة.

  • إعداد القائمة الوطنية المعتمدة: لاستكمال إجراءات التسجيل الرسمي لهذه الأصناف لدى المنظمات والهيئات الدولية المختصة.

  • حماية الملكية السيادية: لقطع الطريق نهائياً أمام أي محاولات للقرصنة الجينية أو السطو على الإرث الزراعي اليمني من قبل الجهات الأجنبية.

خصائص استثنائية وقدرة فائقة على الصمود

تكتسب هذه الأصناف المحلية أهميتها البالغة من قدراتها الإحيائية الاستثنائية؛ إذ أثبتت الدراسات الميدانية امتلاكها لميزات فريدة تشمل القدرة العالية على تحمل الجفاف، ومقاومة الآفات الزراعية المحلية، والتكيف المرن مع التغيرات المناخية القاسية التي تشهدها المنطقة. هذه الخصائص تجعل منها الركيزة الأساسية والصلبة لتحقيق الاستدامة الزراعية، والتحرر التدريجي والتام من قيود التبعية الخارجية في استيراد الحبوب والبذور.

وتتكامل هذه الخطوات العلمية مع برامج وطنية طموحة لإكثار وبذر البذور النقية، والتي تستهدف توزيعها على المزارعين في مختلف المديريات، بهدف تحويل التنوع البيولوجي والثروة الوراثية اليمنية إلى قوة اقتصادية وسيادية حقيقية، تُرسخ مبدأ الاكتفاء الذاتي وتؤكد ترجمة الشعار الوطني الراسخ: “من لا يملك قوته لا يملك قراره”.

آفاق التنمية والسيادة الغذائية

إن العناية بالكنوز الوراثية اليمنية وإدماجها في مسار التنمية المستدامة يمثلان تحولاً استراتيجياً في إدارة الموارد الوطنية؛ فهي ليست مجرد بذور زراعية تقليدية، بل هي رصيد استراتيجي حيوي يضمن للأجيال القادمة استقلالها الغذائي والسياسي، ويثبت قدرة الإنسان اليمني على تحويل ركام التحديات والحصار إلى فرصة حقيقية للبناء والنماء من رحم الأرض المعطاءة.

التعليقات مغلقة.