يوم الولاية “عيد الغدير”

بين يديك ، سيّدي أبا تراب . ها هي بين يديك المباركتين ، بعض العبارات والتى لا تفي بالقليل من شخصيتك الفريدة والعظيمة إلاّ إذا اقتضت الضرورة تجاوزها ـ بما انطوت عليه من صناعة ربّانية نبويّة صاغت لك مناقب وفضائل وصفات، تركت بصماتها على شخصيتك الفريدة ، وارتسمت معالمها وآثارها على سيرتك المفعمة بأحداث عظام وأمور جسام ومواقف عظيمة ومبادرات كريمة.
 * بدءاً نقول : لعلّ الحكمة ـ سيّدي ـ في إعلان هذا العام عاماً خاصاً ، هي تجميع للجهود المحبّة والمتفانية فيك ، وتذكيرٌ للغافلين ، وفرصةٌ للمناوئين . . . وإلاّ فإنّ من يقصد وجه الله تعالى الذي أحببتَه وآمنتَ به وآثرتَه وسكنتَ إليه ، وأفنيتَ عمرك الشريف فيه مؤمناً مجاهداً . . . حتّى قضيتَ نحبك في سبيله ، وفاضت روحك إليه ، مضرّجاً بدمك في محراب عبادته ، في بيت من بيوت الله تعالى ، في مسجد الكوفة ، وقد انطلق صوتك ، ودوّى صداه عالياً في جنبات المسجد وفي سمائه . . فُزتُ وربِّ الكعبة ، فزتُ وربِّ الكعبة . . نعم ، إنّ من يقصد ذلك الوجه الكريم ويرجو لقاءه بقلب سليم ويأمل أجره وفضله ويخشى حسابه ويخاف عقابه ، يجب أن تبقى ذكراك ماثلةً أمامه ، حيّةً في سيرته ، فاعلةً في حياته ، شجرةً خضراء ينعم بظلالها الوارفة ويشمّ عطرها ويستنشق عبيرها ، ويرتشف من معينها قيماً جميلةً ومعاني عظيمة ومفاهيم جليلة ، وأن يقرأك إنساناً وإيماناً وتقوًى وزهداً وجهاداً وعلماً وأدباً وفكراً . . إذن ، أن يبقى كلّ منا يعيشك دائماً قدوةً صالحةً واُسوةً حسنةً ، وهو الذي يجب أن نعوّد أنفسنا عليه ونتبنّاه في حياتنا الدينية والاجتماعية بكلّ مفاصلها . لا ذكرى فقط تمرّ مرور الكرام . . ولعلّ الحكمة في أن يكون مولدك في جوف الكعبة; القبلة ، لتكون قبلةً للأنام، للمؤمنين رعاةً كانوا أو رعيةً مهما بعدت بهم البقاع ونأى بهم الزمن ، يستقبلونك مبادئ وقيماً ومثلا عليا كلّما توجّهوا إليها في فرض أو مستحبٍّ أو دعاء . . لذاك قبلة من صلّى لخالقه غدا ومقصد من للحجّ يأتيه حقّاً لتبقى بل ليبقى عليٌّ شاخصاً أمامنا بكلّ ما يحمله من قيم السماء ومبادئ الدين الحنيف ، وبكلّ ما يتحلّى به من إيمان ثابت وإسلام وثيق ، وجهاد مرير وتضحيات جسام ، ومن علم غزير وأدب جميل وسيرة عطرة حسنة ، تمنّاها كلّ مَن حولك والذين جاءوا من بعدهم . . فعصت عليهم جميعاً ، ولم تجد غيرك إناءً صالحاً ، وبوتقةً تصهرها ، فتنتج عليّاً إسلاماً يتحرّك وقرآناً ناطقاً ، وإيماناً حيّاً يجسِّد كلّ معاني السماء .
 * * * لقد كنت ـ سيّدي ـ بين محرابي الولادة والشهادة محراباً لا يدانيك أحدٌ أبداً ، وكيف لا تكون كذلك وأنت أكثرهم جهاداً وأمضاهم عزيمةً وأشدّهم توثّباً ح ؟! كنت جريئاً على الموت مقتحماً لميادينه ، لا تخشى ولا تهاب أحداً بالغاً ما بلغ من القوّة والشجاعة والاقدام ، بل لا تجد هيبة هولاء الأبطال من قلبك شيئاً . فقد نزل عمرو بن ودّ المعروف بقوّته وصلابته وصولته وبأنّه يعدل ألف فارس ، وقد لفّه الحديد من هامته إلى أخمص قدمه ، ينادي بصوت مخيف هل من مبارز؟ أين جنتكم التي زعمتم أنّكم داخلوها إن قتلتم؟ . . ولا مجيب إلاّ صوتك «أنا له يا رسول الله» فوثبتَ إليه ، وصوت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يلاحقك : «برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه» فإذا هو مجندّل بين يديك بضربة تعدل عبادة الثقلين ، ولا ذت الأحزاب بالفرار . وأنت في عبادتك الأواب المتبتّل الواله بربّه ، الذي عبد الله كأنّه يراه ، وأنت القلب الطاهر المطمئن الذي لا يخفق إلاّ بحبّ الله وحبّ رسوله . . . وأنت القِمّة السامقة في تسليمك وانقيادك إلى الله سبحانه وتعالى ، فكنت الإيمان كلّه ، وكنت الغاية في الإخلاص والغاية في الصدق . وأنت في فصاحتك الخطيب الأوّل الغنيّ ببدائع الخطابة وألوان البيان وضروب الحكمة وفنون الكلام .
وأنت الذي اتسمتَ بالثراء والفرادة في إيمانك وفي صدقك وعدلك وورعك وفي علمك وعبقريتك وحصافتك وفي زهدك وقناعتك وفي نهجك وطريقتك ، فخصائصك ما أعظمها وأخلاقك وما أسماها وفضائلك ما أكثرها! وهذه كتب التأريخ والحديث عند الفريقين . . وقد ملئت بخصالك ومناقبك وفضائلك وآثارك وجهودك ومواقفك ولم يذكر فيها لغيرك ما ذكر لك . وليس هذا فحسب ، بل كان الأوحد في صفاته وفضائله . دلّني على فضيلة لم يكن عليّ فيها الأشهر ولم يكن المتفرِّد بها دون غيره سواء أكانوا في زمنه أو الأزمان المتعاقبة الاُخرى!
 وهكذا أنت ـ سيّدي ـ في عطائك الذي كاد أن يبلغ حدّ الاسطورة ، أثريت به تراثنا الديني والأخلاقي والإنساني . . . وما أحوجنا إلى تراثك الخالد خاصة في عالمنا الصاخب المليء بمختلف الأفكار والأمواج والأعاصير… وإنّ الإحاطة بكلّ ما قدّمته في حياتك المباركة أمر صعب ، كما أنّ محاولة التعمّق فيه وسبر أغواره هو الآخر أمر عسير فالرجل مهما اُوتي من القدرة والاستعداد والصبر فإنّه يتخصّص بفنٍّ واحد أو فنّين ، إلاّ أنت ـ سيّدي ـ فقد جمعت مناقب كثيرة ، وفنوناً وعبقريات هي الاُخرى متعدّدة .
 ما فرّق الله شيئاً في خليقته ***من الفضائل إلاّ عندك اجتمعا
لقد اصطنعتك السماءُ وأفاضت عليك خصائص وفضائل خلقت منك إنساناً ربّانياً في كلّ ما حملتَه واتسمّتَ به . وأقحمتك عالَماً آخر غير ما ألفوه فتحيّرت عقولهم وأذهلت نفوسهم ، فراحوا يتنازعون أمرهم فيك; تعدّدت آراؤهم وتنوّعت فيك اجتهاداتهم ، وتقاطعت فيك مواقفهم ، ولما أدحضتهم حجّتُك وألجمت ألسنتهم وخيّبت أدلّتهم وكشفت افتراءاتهم . . لم تطاوعهم أنفسهم المقيتة على الرضوخ للحق والانصياع للعدل فأبت إلاّ نفوراً واستكباراً .
وركن شانئوك ومن نصبوا لك العداء إلى سيوفهم فلعلّ آمالهم وأطماعهم تتحقّق ، فما اشتبكت الأسنّة على أحد كما اشتبكت عليك ، ولا اختلفت الألسن والأقلام في أحد كما اختلفت فيك . . فَظَلمك قومٌ وأنصفك آخرون ، وختاماً تركوك وحيداً ـ وإن كنت حقّاً الوحيد بينهم بنعم ظلّت حسرةً عليهم ـ إلاّ أنّهم لم يتركوك حبّاً لغيرك وتفضيلا له عليك ، وهم يعرفون أن ليس هناك من يدانيك إيماناً وعلماً وفضلا . . . بل تركوك; لأنّهم لم يتحمّلوا صدقك ولم يطيقوا عدلك . . خافوك على دنياهم وخفتهم على آخرتك .
* إنّ تاريخك لحافل وإن حياتك لصالحة وإنّ ميراثك لعظيم وإنّك لفي مقام كريم . . استوقفت هيبتك الجميع ، وبهرتهم صفاتك وأذهلتهم فضائلك حتّى لم يجدوا شيئاً منها في بشر سواك
لقد راح ـ سيّدي ـ قوم عاصروك وآخرون جاءوا من بعدهم ينتهلون من علمك ويتعلّمون من حلمك ويقلّدون شجاعتك . . إلاّ أنّهم ـ وإن تمنّوا ـ لا يكونون مثلك أبداً . . وأنّى لهم وخصالك صنعتها يد الغيب ، وسمات شخصيتك أفردتها لك السماء ، ومناقبك صاغتها مبادئ الدين الحنيف تحت ظِلال النبوّة المباركة . . كما راحت اُمّتنا واُممٌ أُخرى ، من ديانات أُخر ومذاهب شتّى بمفكِّريها وعلمائها واُدبائها وشعرائها . . يقفون أمام تراثك مبهورين وإزاء عبقريتك متحيّرين . . وقد عرفوا ذلك كلّه ، إلاّ أنّهم أبوا إلاّ أن يقولوا فيك شيئاً . فراحت أفكارهم وأقلامهم ومع سموّها لا تستطيع كشف إلاّ ما ظهر من عظمتك ولا تذكر إلاّ ما بان من شخصيتك ، وهو غني ثريّ عظيم . . أمّا ما خفي فالله ورسوله أعلم به .
 وصدق رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذ قال : «يا عليّ ما عرفك إلاّ الله وأنا وما عرفني إلاّ الله وأنت» .
 حقّاً ـ سيّدي ـ إنّك نعمة كبرى أنعمتها علينا السماء ، إنّك كنز عظيم غفلنا عنه ، وينبوع لا ينضب جهلنا قدره ، وصورة مضيئة للإسلام والإنسانية بكلّ معانيها الجميلة ، لم نعطها حقّها.. لقد أكبرنا ـ سيّدي ـ الإسلام الذي تجسّد فيك ، وفضائلك الرائعة ومناقبك الجميلة ومواقفك الشجاعة والجريئة . . التي باتت رصيد كلّ خير وعطاء ، وثورة وإباء ، وعدل ورحمة ، وغدوت حياة لأولي الألباب.. إنّ اسمك ـ سيّدي ـ شفاء للنفوس ، وذكراك ضياءٌ للعقول ، وهدى للقلوب ، وحافز للثورة والثوّار مهما كانت صولة الباطل مريرة وقسوته شديدة.. إنّ كلّ ما حولنا يستضيء بنورك ويستهدي بهداك ، وكلّ ما عندنا مدين لمبادئك وقيمك ، التي هي قيم السماء ، فذكراك لا يحدّها حدّ ولا يختصرها زمن .
 وكيف يكون ذلك وعليّ بين الولادة والشهادة تجده شمساً مضيئةً لا يحجبها شيء ، وقمراً منيراً لا يحبسه سحاب؟! وتجده إيماناً لا يشوبه شكّ ولا يعتريه ريب ، وكيف يخالط إيمانه ذلك وهو القائل : «لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً» .