الاستعمار القديم والاستعمار الجديد

لاشك أن الإحتلال المباشر لشعوب وأوطان العالم الثالث في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين ومن بينها الدول العربية قد أدى إلى ثورات عارمة في الدول المحتلة في منتصف القرن العشرين وخروج المحتلين آن ذاك , إلا أن الشعوب ببساطتها لم تعي أنها أمام إحتلالٍ من نوع آخر.

فقادة الثورات في وجه الإحتلال (في بعض البلدان ) إنحرفوا بمسار ثورات شعوبهم فأوهموا شعوبهم أن المحتل قد خرج بفضل جهودهم وتضحياتهم فقادوا بلدانهم بعد الثورة مباشرةً , ثم يتضح مع مرور الأيام أن الإستبداد والظلم لم يتغيران وأن القادة إنما هم في أحضان الدول الإستعمارية , وما زالت بلدانهم محتلة رغم خروج الجنود و الآليات العسكرية , وما زالت ثروات وخيرات بلدانهم تذهب إلى دول الإستعمار بمختلف مسمياتها .

وهذا النوع الأول من البلدان هو ما حصل تماماً في ليبيا والعراق ومصر  ودول الخليج وإيران إبان حكم الشاه .

أما النوع الثاني : فهي بلدان لم يستطيع العملاء وأولياء الإحتلال أن يقودوا البلد , ولكن إستطاعوا أن يمزقوا النسيج الإجتماعي في بلدانهم خدمةً للمشاريع الإستعمارية في حروب طائفية وعرقية حتى لا تستطيع الشعوب النهوض بدولتها ولا تستطيع القيام بمهامها ومسئولياتها .

وهو ما حصل تماماً في اليمن و لبنان والجزائر على سبيل المثال لا الحصر .

والنوع الثالث : بلدان خرجت تماماً من الإحتلال وأخرجوه وهزموه ولم يستطع  أن يجد له عملاء في ذلك الوقت أو بالأحرى لم يجد العملاء لهم موضع قدم كي ينفذوا مخططات الإستعمار  فاتجهت دول الإستعمار لمحاصرة هذه الدول تارةً  وخلق حروب وصراعات بين هذه الدول و الدول المجاورة لها وهو ما حصل في إيران بعد سقوط الشاه وتولي الإمام الخميني قيادة إيران وأيضاً ما حصل في سوريا والسودان وغيرها .

ولاشك أنه من خلال الأنواع الثلاثة السالفة الذكر أن هناك مخططات للدول الإستعمارية لإستعادة السيطرة المباشرة لهذه الدول من جديد على إعتبار أن بعضها والمذكور في النوع الأول تحت الإحتلال الغير مباشر. فقط يختلف الأسلوب والتوقيت لكل دوله إستعمارية والظروف لكل دولة مستعمرة .

لكن الشيء الذي لم يكن في حسبان الدول الإستعمارية هو قيام الثورات العربية والصحوة الإسلامية ونهوض حركات المقاومة في أكثر من بلد أدى إلى خلط أوراق دول الإستكبار العالمي وجعلها تعجّل من وتيرة المخططات الإستعمارية للأوطان وبإتجاهات متعددة.

الإتجاه الأول : هو إستغلال الثورات إلى وجود مباشر وسيطرة مباشرة في البلدان كما حصل ويحصل في اليمن وليبيا وسوريا بتدخل عسكري مباشر إما بحجة مساندة الثورة والثورا كما حصل في ليبيا , أيضاً في سوريا دعم الجيش(الحر) في سوريا – ولا أدري كيف سيكون حراً وهو مرتهناً للخرج – إلا أن الرئيس السوري لم يكن على تواصل مشبوه مع الدول الغربية بخلاف الزعيم الليبي الذي كانله تواصل مستمر ودائم مع الدولة التي كانت تحتل بلده (إيطاليا). وهو ما كشفته الوقائع والأحداث والمعلومات السرية التي أصدرها موقع ويكيليكس .

أما سوريا على النقيض من ذلك والتي لم يكن لها تواصل مشبوه مع دول الإستكبار العالمي بل إنها البلد الأوحد من البلدان العربية الداعمة للمقاومة وهي الدولة المناهضة للسياسات الغربية الأمريكية منها والإسرائيلية فعمدت الدول الإستعمارية إلى إستغلال الربيع العربي لإثارة صراع في سوريا ويحقق الأغراض الآتية :

1 – تدمير بلد عربي بمنشآته واقتصاده وبنيته التحتية.

2 – إنهاء قيادة عربية مقاومة وداعمة للمقاومة ورافضة للإحتلال.

3 –وجود قيادة بديلة عميلةومرتهنة للخارج .

4 – ويعتبر الهدف الأهم وهو : قطع خطوط إمداد المقاومة في فلسطين ولبنان ولا يبقى بلد مجاور معادي لإسرائيل .

وبالتالي ومن خلال ما سبق ذكره تمرير المشروع الأمريكي والإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط لإحتلالهامن جديد وما يلفت النظر أكثر في الأمر هو بروز الدور الفرنسي في الأزمة السورية فهي التي تحمل راية إسقاط النطام في سوريا ( المستعمرة القديمة لفرنسا ) مما يعزز فكرة أننا أما الإستعمار القديم بوجهه الجديد وهو تخليص الشعوب من الإستبداد!

وهل هناك إستبداد أشد من إستعمار الشعوب ؟

بالرغم من أن فرنسا لم يكن لها ذلك الدور في إحتلال العراق.لماذا؟

لأن العراق مستعمرةً بريطانية وهنا يبرز الدور البريطاني وهو ما يكاد يختفي في الأزمة السورية .

أيضاً نجد الدور الفرنسي بارزاً في المستعمرات القديمة شمال أفريقيا ( الجزائر و مالي ) تعجيلاً بتنفيذ المخططات الإستعمارية وهو ما يؤكد حقيقة أن الدول الإستعمارية كلٌ عاد إلى المنطقة التي كان يحتلها.

الإتجاه الثاني : إستغلال الثورات الحالية بإستبدال القيادة السابقة بتمهيد الطريق لقيادةٍ جديدة تكون مرتهنةً للخارج أكثر وهو ما بدا واضحاً في اليمن ومصر فقد أصبح السفير الأمريكي هو من يدير الأمور والأوضاع في اليمن وصاعدت أمريكا من الوجود العسكري في اليمن بالتوازي مع الزيادة في إنتهاك السيادة اليمنية والسيطرة أكثر على القرار السياسي في اليمن وبالتالي أصبحت الأوضاع اسوأ من فترة ما قبل الثورة وفي جنوب اليمن نجد بريطانيا عادت لإستلام ملف جنوب اليمن (المستعمرة السابقة لبريطانيا) وكأننا نعيش بداية القرن العشرين وليس بداية القرن الواحد والعشرين .وكذلك في مصر أصبحت أسوأ من ذي قبل تحت إمرة الخارج ولكن بلباس إسلامي ونفس الشئ يحصل في تونس .

إن الحل الوحيد لكل الشعوب هي العودة الصادقة إلى القرآن والكريم والرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين, عودةً عملية نثور بها على الطغاه والمجرمين فالأعداء قد أعدوا في كل البلدان عملاءً ليحكمونا بإسم الدين وبإسم الإسلام وبلباس التدين,وهذا أخطر الخطر الذي يجب الحذر منه .

وكما يقول السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله ( وما على الشعوب إلا الإستمرار في الثورات والثقة بالله وعدم اليأس ) .