قاعدة “كامب لومنيير” الأمريكية محور العمليات السرية في اليمن

يتواصل إقلاع وهبوط الطائرات من دون طيار في هذه القاعدة العسكرية الأميركية، التي تحولت إلى محور لعمليات مكافحة الإرهاب التي تشنها إدارة الرئيس أوباما في منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط، على مدار الساعة، بمعدل يصل إلى 16 طلعة يومية.

تقتصر مهمة بعض هذه الطائرات على الصومال الذي يقع على بعد نحو 10 أميال جنوب شرقي جيبوتي، بيد أن غالبية الطائرات المسلحة تتوجه صوب الشمال عبر خليج عدن إلى اليمن، حيث زاد استخدامها بشكل ملحوظ في الحرب الضروس مع فرع «القاعدة» الذي يحاول استهداف الولايات المتحدة.

كان كامب لومنيير، القاعدة التي أسسها الفيلق الأجنبي الفرنسي، في البداية نقطة انطلاق مؤقتة لقوات مشاة البحرية الأميركية التي كانت تبحث عن موطئ قدم لها في المنطقة قبل عقد. وخلال العامين الماضيين قام الجيش الأميركي بتحويلها إلى أكثر قاعدة لطائرات «بريداتور» من دون طيار نشاطا خارج منطقة الحرب الأفغانية، لتشكل نموذجا لقتال جيل جديد من المجموعات الإرهابية.

وقد بذلت إدارة أوباما جهودا استثنائية لإخفاء التفاصيل القانونية والعملياتية لبرنامج القتل المستهدف، حيث دارت خلف الأبواب المغلقة مناقشات حامية قبيل كل جلسة لوضع شخص على لائحة حرب الولايات المتحدة الدائمة ضد «القاعدة» وحلفائها.

تسلم أوامر العثور وتعقب وقتل هؤلاء الأفراد إلى «كامب ليمونيير»، التي تقع على مساحة 500 فدان التي خصصت لمكافحة الإرهاب، ما يجعلها المنشأة الوحيدة من نوعها في شبكة قواعد البنتاغون العالمية.

تخيم السرية على أغلب نشاطات القاعدة، إذ رفض الجيش الأميركي طلبا من «واشنطن بوست» للقيام بجولة في «ليمونيير» الشهر الماضي، وبرر المسؤولون بأنها «مخاوف أمنية عملياتية» رغم سماحهم للصحافيين بزيارتها في السابق.

وبعد وصول مراسل «واشنطن بوست» إلى جيبوتي دون دعوة، أبدى مسؤول القاعدة موافقة على إجراء مقابلة شريطة أن تتم بعيدا عن القاعدة، في فندق جيبوتي الفخم الوحيد. وأجاب المسؤول، الجنرال رالف بيكر، على بعض الاستفسارات العامة، لكنه رفض التعليق على عمليات الطائرات من دون طيار أو المهمات المتعلقة بالصومال واليمن.

ورغم السرية، فإنه فتحت آلاف الصفحات من السجلات العسكرية التي حصلت عليها «واشنطن بوست» – بما في ذلك مخططات الإنشاء، وتقارير حوادث الطائرات من دون طيار ومذكرات التخطيط الداخلي – نافذة كاشفة على قاعدة «كامب ليمونيير». لم يكن أي من هذه الوثائق سريا، وتم الحصول على الكثير منها عبر طلبات الوثائق العامة.

وتظهر الوثائق التي لم يكشف عنها من قبل، الأهمية التي اكتسبتها قاعدة جيبوتي العام الماضي بعد وصول ثمانية طائرات «بريداتور» إلى «ليمونيير». وتؤرخ الوثائق أيضا لخطة البنتاغون الطموحة لتكثيف عمليات الطائرات من دون طيار خلال الشهور القادمة.

تشير الوثائق إلى الدور المركزي الذي لعبته قيادة العمليات الخاصة المشتركة التي اعتمد عليها الرئيس أوباما بشكل متكرر في تنفيذ معظم مهمات مكافحة الإرهاب الحساسة.

ويضطلع نحو 300 من جنود العمليات الخاصة بتخطيط الغارات وتنسيق رحلات الطائرات من دون طيار من داخل مجمع حصين في «ليمونيير» الذي تنتشر فيه الصحون اللاقطة ومحاطة بالأسلاك الشائكة. تعمل غالبية قوات الكوماندوز بشكل متخفٍّ، يخفون أسماءهم حتى عن القوات التقليدية في القاعدة.

أما باقي أعمال مكافحة الإرهاب الأخرى فهي أكثر علانية، ويعمل في القاعدة نحو 3.200 جندي أميركي ومدني ومتعاقد، يقومون فيها بتدريب جيوش أجنبية وجمع المعلومات الاستخباراتية وتوزيع المساعدات الإنسانية في شرق أفريقيا كجزء من حملة لمنع المتطرفين من الشعور الآمن.

وفي واشنطن، اتخذت إدارة أوباما سلسلة من الخطوات لدعم حملة الطائرات من دون طيار لعقد آخر، وإعداد قائمة قاعدة بيانات استهداف جديدة، تسمى «مصفوفة القتل»، وكتيب «القواعد» السري الذي يسرد كيفية اتخاذ قرارات استهداف القتل.

تعتبر جيبوتي المثال الأوضح لكيفية إرساء الولايات المتحدة الأسس لتنفيذ هذه العمليات الخارجية، فعلى مدار العقد الماضي، كان البنتاغون يعتبر ليمونيير قاعدة مؤقتة، لكنها باتت الآن قلب حرب الطائرات من دون طيار التي تشنها الولايات المتحدة على الإرهاب.

وفي أغسطس (آب)، سلمت وزارة الدفاع خطة أساسية للكونغرس تشرح فيها بنوع من التفاصيل كيفية استخدام القاعدة على مدار ربع القرن القادم. وهناك مشروعات يتوقع الشروع في تنفيذها في القاعدة بتكلفة تقارب 1.4 مليار دولار، تضم مجمعا جديدا ضخما يستوعب نحو 1.100 جندي من قوات العمليات الخاصة، أي ما يزيد على ثلاثة أضعاف العدد الحالي.

ستواصل الطائرات من دون طيار صدارة المشهد. وفي رد على الأسئلة المكتوبة من «واشنطن بوست»، أكد الجيش الأميركي علنا، للمرة الأولى، وجود طائرات تعمل بالتحكم عن بعد في مطار ليمونيير، وقالوا «إنها تقوم بمجموعة واسعة النطاق من المهام الأمنية الإقليمية».

وقالت قيادة أفريقيا، ذراع الجيش الأميركي التي تشرف على القاعدة في البيان الذي أصدرته، إن المعلومات الاستخبارية التي تجمعها الطائرات من دون طيار ومهمات المراقبة الأخرى، تستخدم في بناء صورة كاملة لنشاطات المنظمات المتطرفة العنيفة، ومهام أخرى ذات صلة، بيد أن الاعتبارات الأمنية العملياتية تمنعنا من التعليق على مهمات بعينها.

وعلى مدى عشر سنوات كانت الطائرات من دون طيار تحلق من قاعدة ليمونيير بشكل نادر، بدءا من ضربة عام 2002 في اليمن التي أدت إلى مقتل قائد خلية مشتبه به بالضلوع في الهجوم على المدمرة الأميركية «يو إس إس كول».

لكن ذلك سرعان ما تبدل في عام 2010 عندما حاولت شبكة «القاعدة في اليمن» تفجير طائرتين أميركيتين وتعزيز الجهاديين في الصومال قبضتهم على البلاد. تظهر الوثائق أن البنتاغون أرسل في أواخر ذلك العام ثماني طائرات من دون طيار «MQ – 1B Predator» إلى جيبوتي، وحول ليمونيير إلى قاعدة طائرات من دون طيار بدوام كامل.

اتضح تأثير هذه الخطوة بعد عدة أشهر، عندما تمكنت طائرات قيادة العمليات الخاصة المشتركة من جيبوتي، بمساعدة طائرات وكالة الاستخبارات المركزية من قاعدة سرية في شبه الجزيرة العربية، من قتل أنور العولقي.

واليوم، تعتبر قاعدة «كامب ليمونيير» مركزا لمجموعة موسعة تتكون من 6 طائرات من دون طيار وقاعدة مراقبة في أفريقيا، أنشئت لمحاربة جيل جديد من المجموعات الإرهابية في القارة من مالي إلى ليبيا إلى جمهورية وسط أفريقيا. ويقوم الجيش الأميركي أيضا باستخدام طائرات من دون طيار مطارات مدنية صغيرة في إثيوبيا وسيشل، لكن هذه العمليات لا تقارن بما تقوم به القاعدة في جيبوتي.

كما تحولت ليمونيير أيضا إلى محور للطائرات التقليدية. وفي أكتوبر (تشرين الأول) عزز الجيش القوة الجوية في القاعدة بنشر سرب من طائرات «إف 15» المقاتلة، التي تتميز بالسرعة والقدرة على حمل أسلحة أكثر من «بريداتور».

وفي ردها المكتوب أكدت قيادة أفريقيا وجود طائرات حربية، لكنها رفضت الإجابة على الأسئلة الخاص بمهماتها. وأشار مسؤولان سابقان بوزارة الدفاع، تحدثا شريطة عدم ذكر أسمائهما، إلى أن طائرات «إف 15» تقوم بطلعات على اليمن، في تطور غير معلن في الحرب المتصاعدة ضد قوات «القاعدة» هناك.

وقد أدت زيادة أعداد الطائرات من دون طيار التي تحلق في أجواء القرن الأفريقي إلى مخاوف من ارتفاع حوادث الطيران في هذه المنطقة.

وتظهر وثائق القوات الجوية أنه منذ يناير (كانون الثاني) الماضي تعرضت خمس طائرات من دون طيار مزودة بصواريخ «هيلفاير» إلى حوادث بعد إقلاعها من ليمونيير، ومن بينها طائرة هبطت في منطقة سكنية من مدينة جيبوتي، ولم يسفر الحادث عن إصابات بين السكان، لكن الطائرات الأربع الأخرى دمرت.

وبشكل خاص تعد الطائرات من دون طيار الأكثر عرضة للحوادث من الطائرات التي يقودها طيار، بحسب إحصاءات القوات الجوية، لكن الحوادث نادرا ما تثير الاهتمام؛ لأن الطائرات لا تقل طيارين أو مسافرين.

ومع تزايد زخم عمليات الطائرات من دون طيار في جيبوتي، تحدث فنيو القوات الجوية عن حوادث غريبة أصيب فيها روبوت الطائرة المحمول جوا بالعطب.

ففي مارس (آذار) 2011 أدارت إحدى طائرات «بريداتور» المتمركزة في القاعدة محركاتها من تلقاء نفسها، رغم إغلاق زر الإشعال وخطوط الوقود. وخلص الفنيون إلى أن فيروسا أصاب «مخ» الطائرة، لكنهم لم يحددوا المشكلة.

وقال قائد سرب قوة الطائرات من دون طيار أمام لجنة التحقيق، بحسب إحدى الوثائق: «بعد تلك الحادثة التي دارت فيها الطائرة من تلقاء نفسها، أصابنا القلق ووضعناها تحت رقابة وثيقة، لكننا في الوقت الراهن لا نزال نعتقد أن البرنامج غير جيد».

يدفع الجيش الأميركي 38 مليون دولار سنويا لتأجير قاعدة كامب ليمونيير من الحكومة الجيبوتية. تطوق القاعدة المناطق السكنية والبحر، ووجه القصور الرئيسي في كامب ليمونيير هي أنها لا تستطيع التوسع بسبب ضيق المساحة. وهي مجبرة على مشاركة مدرج واحد مع مطار جيبوتي الدولي، إضافة إلى قاعدة عسكرية فرنسية والقوات المسلحة الجيبوتية الصغيرة.

ويستطيع المسافرون القادمون على متن الخطوط الجوية (هناك نحو 8 رحلات يومية) مشاهدة الطائرات من دون طيار التي تستعد للقيام بمهمات بين الحين والآخر. بين الرحلات تقف الطائرات من دون طيار تحت حظائر من القماش لحمايتها من الرياح والعيون المتلصصة.

خلف السياج يقوم عمال الإنشاء بإعادة بناء القاعدة لتوفير ظروف أفضل للطائرات من دون طيار. ويمكن الاطلاع على لمحات من العمليات السرية في مجموعة متنوعة من الوثائق غير مألوفة قدمتها وزارة الدفاع إلى الكونغرس.

ففي الشهر الماضي على سبيل المثال، منحت وزارة الدفاع عقدا بـ62 مليون دولار لبناء امتداد مدرج مطار لاستيعاب زيادة الطائرات من دون طيار في ليمونيير، وموقع لتخزين الذخيرة، ومنطقة تحميل قتالية للقنابل والصواريخ.

وفي رسالة بتاريخ 20 أغسطس إلى الكونغرس يفسر العقد الطارئ، قال نائب وزير الدفاع إن 16 طائرة من دون طيار وأربع طائرات مقاتلة تقلع أو تهبط في مطار جيبوتي يوميا في المتوسط. هذه العمليات يتوقع أن تزداد، لكنه رفض تقديم تفاصيل.

وفي رسالة منفصلة إلى الكونغرس قال كارتر إن «كامب ليمونيير» تفتقد إلى المساحات الخالية لاستقبال الطائرات من دون طيار. وقال: «الإضافة الأخيرة للطائرات المقاتلة والطائرات من دون طيار فاقمت من الموقف وتسببت في تأخير المهمة».

وقد كشفت رسالة كارتر عن أن الطائرات من دون طيار والطائرات المقاتلة في القاعدة تدعم ثلاث عمليات عسكرية سرية، تحمل اسما كوديا «كوبر ديوني»، و«جوبيتر غاريت» و«أوكتافي شيلد».

"كوبر ديوني"
وتقول قيادة أفريقيا إنها لن تقدم معلومات بشأن «جوبيتر غاريت» و«أوكتافي شيلد»، مبررة ذلك بقيود السرية وأن الأسماء الكودية غير سرية.

ويقضي جنود قوات العمليات الخاصة المشتركة أيامهم ولياليهم داخل المجمع، حيث يعدون لغارات ضد المعسكرات الإرهابية ومخابئ القراصنة. ويدرك كل شخص في القاعدة طبيعة عملهم، لكن الموضوع أحد المحرمات، فيقول بيكر، الجنرال الأعلى رتبة في ليمونيير: «لا يمكن أن أعترف بوجود قوة العمل».

وفي نهاية عام 2010 نقلت طائرة شحن عسكرية سربا من ثماني طائرات «بريداتور» من دون طيار إلى جيبوتي، وطيارين من سرب الاستطلاع المبكر الـ60 التابع للقوات الجوية الأميركية الذين قاموا بتجميع هذه الطائرات.

في أعقاب ذلك، ودون سابق إنذار، ضربت عاصفة قوية بلغت سرعة الرياح فيها 80 ميلا في الساعة، القاعدة.

تجمع أفراد السرب البالغ عددهم 87 لتأمين طائرات «بريداتور» والطائرات الأخرى المكشوفة، ونجحوا في إنقاذ أكثر من نصف الطائرات التي تدار عن بعد عالية القيمة من الدمار، والأهم من ذلك أنها لم تتسبب في وقوع أي خسائر في الأرواح، بحسب مذكرة موجزة نشرت في مجلة «كومبات إيدج»، لسلامة القوات الجوية.

حتى إن الطقس العادي يمكن أن يكون بالغ القسوة، حيث تصل درجات الحرارة في بعض أيام فصل الصيف إلى 120 درجة ونسبة الرطوبة 80 في المائة.

تزايدت عمليات الهبوط والإقلاع إلى أكثر من الضعف لتصل إلى ذروتها في يوليو (تموز) بـ1.666 عملية هبوط وإقلاع مقابل 768 قبل عامين، بحسب إحصائيات السفر الجوي التي كشفت عنها وثائق تعاقدات وزارة الدفاع.

تشكل الطائرات من دون طيار نحو 30 في المائة من العمليات القتالية العسكرية الأميركية اليومية في ليمونيير، بحسب تحليل لـ«واشنطن بوست».

يعني هذا النشاط المتزايد زيادة الحوادث المؤسفة؛ ففي العام الماضي كانت الطائرات من دون طيار طرفا في سلسلة من الحوادث التي كادت تصطدم فيها الطائرات مع طائرات الناتو التي تحلق فوق القرن الأفريقي، بحسب مذكرة السلامة التي نشرتها مجلة «كومبات إيدج».

وتتعرض الطائرات من دون طيار إلى مخاطر الطيران في دولة الصومال المجاورة؛ ففي العام الماضي حلقت طائرة من دون طيار فوق معسكر للاجئين، وكانت توشك على نفاد وقودها، وكادت تصطدم بطائرة ركاب فوق مقديشو، بحسب تقرير للأمم المتحدة.

لكن في الوقت ذاته لم تكن الطائرات التي يقودها طيارون بمنأى عن التحطم، فقد تحطمت طائرة «U – 28A» للاستطلاع على بعد خمسة أميال من «كامب ليمونيير» أثناء العودة من مهمة سرية في 18 فبراير (شباط)، ما أسفر عن مصرع طاقمها المكون من أربعة أفراد. وعزا تحقيق القوات الجوية الحادث إلى «الارتباك المكاني» لدى الطاقم الذي تجاهل تحذيرات جهاز الاستشعار بأنه يطير بالقرب من الأرض بشكل كبير.

وقلل بيكر من أهمية مثل هذه الحوادث والارتباك، مشيرا إلى أن الأمن تحسن بشكل كبير منذ وصوله إلى جيبوتي.

*خدمة "واشنطن بوست" خاص بـ"الشرق الأوسط"

 

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com